تواصل القوات الاسرائيلية اعادة صياغة المشهد الميداني داخل قطاع غزة عبر تكثيف عمليات تجريف الاراضي واقامة سواتر ترابية ضخمة تفرض واقعا جغرافيا جديدا على الارض. وتأتي هذه التحركات الميدانية لتزيد من تعقيد حياة اكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في مساحة ضيقة لا تتجاوز 365 كيلومترا مربعا وسط استمرار العمليات العسكرية التي تستهدف تقليص المساحات المتاحة للسكان بشكل ممنهج. وتظهر المعطيات الميدانية ان هذه الاجراءات تجاوزت مجرد السيطرة العسكرية لتصبح اداة لفرض قيود دائمة على حركة المدنيين وتشكيل معالم جغرافية تمنع عودة النازحين الى مناطقهم الاصلية.

واكدت تقارير ميدانية ان الخطوط والحدود التي تفرضها القوات الاسرائيلية على الخرائط قد حصرت الفلسطينيين في نحو 35 في المئة فقط من اجمالي مساحة القطاع. واضافت ان صور الاقمار الصناعية كشفت عن وجود سواتر ترابية يصل طولها الاجمالي الى اكثر من 30 كيلومترا تتقاطع في مناطق استراتيجية ابرزها الممر الفاصل بين خان يونس ومدينة غزة بطول يتجاوز 17 كيلومترا. وبينت المتابعات ان هذه السواتر لا تشكل عوائق طبيعية فحسب بل هي منشآت هندسية تكرس واقعا ميدانيا يصعب تجاوزه وتفصل بين الاحياء والمناطق السكنية بشكل قسري.

واوضح مراقبون ان ظهور سواتر جديدة منذ يوليو الماضي يمتد من شواطئ خان يونس وصولا الى مناطق جباليا يعكس استراتيجية طويلة الامد للسيطرة على الارض. واشارت التحليلات الى ان هذه المنشآت تساهم في تغيير تضاريس القطاع بشكل جذري مما يجعل من الصعب على السكان التحرك بحرية او تأمين ابسط مقومات الحياة في ظل التضييق الجغرافي المستمر. وشددت التقارير على ان هذه الخطوات تأتي في وقت تعاني فيه البنية التحتية من انهيار كامل نتيجة العمليات العسكرية المستمرة.

تجمعات النازحين تحت وطأة الاكتظاظ

وكشفت البيانات عن تزايد حدة الازمة الانسانية مع تكدس اكثر من مليوني نسمة في مناطق محدودة لا سيما في مدن خان يونس ودير البلح. واضافت ان النزوح المتكرر للعائلات بعد تدمير منازلهم حول المساحات المتبقية الى مخيمات مكتظة تفتقر الى ادنى معايير السلامة والخدمات الضرورية. واظهرت ارقام منصات الرصد ان هناك اكثر من 232 الف خيمة ومأوى مؤقت تنتشر في القطاع وتتركز غالبيتها في مناطق خان يونس مما يضع ضغطا هائلا على الموارد المحدودة.

واكد خبراء ان الاعتماد المطلق على الخيام والمساكن المؤقتة يعكس استحالة العودة للمناطق السكنية التي اصبحت غير صالحة للسكن. واضافوا ان التمدد العشوائي لهذه المآوي يقلص المساحة المتاحة للحركة ويجعل من تأمين الاحتياجات الاساسية تحديا يوميا في ظل الحصار المطبق. وبينت الملاحظات ان كل موجة نزوح جديدة تزيد من تعقيد المشهد الاجتماعي وتجعل من الصعب على السكان ايجاد بقعة آمنة للاقامة في ظل تضييق الخناق الجغرافي.

واوضح تقرير حديث ان الاكتظاظ السكاني في مراكز الايواء ادى الى تدهور الظروف المعيشية وارتفاع معدلات المعاناة الانسانية. واضاف ان استمرار حصر السكان في هذه المربعات الضيقة يهدف الى افراغ مساحات واسعة من القطاع من ساكنيها وتحويلها الى مناطق سيطرة عسكرية خاضعة بالكامل للجيش الاسرائيلي. وشدد التقرير على ان غياب الحلول السياسية يزيد من قسوة الواقع الذي يعيشه النازحون يوميا.

جبال الركام وعوائق الاعمار

وكشفت الارقام عن حجم كارثي في التدمير العمراني حيث تم تدمير اكثر من 200 الف مبنى وهو ما يمثل 82 في المئة من اجمالي المنشآت في القطاع. واضافت ان تراكم اكثر من 68 مليون طن من الركام يمثل عائقا كبيرا امام اي محاولات مستقبلية لاعادة الاعمار. وبينت التقديرات ان هذه الكميات من الانقاض تعادل تغطية مساحات شاسعة بطبقات سميكة من الحطام مما يجعل اعادة تأهيل المناطق المتضررة عملية تتطلب سنوات من العمل والامكانات الضخمة.

واكدت تقارير هندسية ان هذا الدمار ليس عشوائيا بل هو تدمير ممنهج للبنية التحتية والنسيج العمراني للمدن والمخيمات. واضافت ان هذا الواقع يكرس حالة من العزلة بين المناطق ويحول الاحياء الى كومة من الركام يصعب العبور منها او اليها. واوضحت ان التحديات التي ستواجه المجتمع في مرحلة ما بعد الحرب ستكون مضاعفة بسبب حجم الانقاض التي تغطي مساحات كانت مأهولة بالسكان.

وختاما بينت الوقائع الميدانية ان استمرار القصف وفرض السواتر الترابية يهدفان الى اعادة تشكيل جغرافيا غزة بما يخدم الاهداف العسكرية الاسرائيلية. واكدت ان الفلسطينيين يواجهون ظروفا معيشية قاسية تفرضها معادلة الدمار والتقليص الجغرافي التي تجعل من الحياة في القطاع رحلة صمود يومية وسط انقاض البيوت المهدمة والخطوط الميدانية الجديدة التي تحاصر حياتهم.