تشهد الساحة السياسية والاعلامية في اسرائيل تحولا لافتا في النقاشات المتعلقة بمصير قطاع غزة بعد مرور ثلاث سنوات على احداث السابع من اكتوبر. حيث انتقلت الرؤى من مجرد ادارة العمليات العسكرية الى رسم ملامح مستقبل القطاع في مرحلة ما بعد الحرب، وسط تباين حاد في المقاربات التي تطرحها النخب السياسية والاعلامية.
وتتراوح هذه التصورات بين دعوات متطرفة تتبنى التهجير الكامل للسكان الفلسطينيين، ومحاولات لاستغلال المعطيات السياسية الحالية في واشنطن لفرض واقع جديد، وصولا الى تحديات اعادة الاعمار التي باتت تفرض نفسها كأمر واقع لا يمكن تجاوزه، خاصة مع حجم الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية والمرافق الحيوية.
واظهرت التحليلات ان غزة لا تزال تمثل جوهر الصراع، حيث تتبدل الخرائط والادوات لكن الهدف الاستراتيجي يظل محل تجاذب كبير بين التيارات اليمينية المتشددة وصناع القرار الذين يراقبون التحولات الدولية وتأثيرها على الامن القومي الاسرائيلي.
سيناريوهات التهجير القسري
وبين السياسي اليميني موشيه فيغلين رؤية متطرفة تدعو الى اخلاء القطاع من سكانه بالكامل، بمن فيهم الاطفال، معتبرا ان هذا التوجه يمثل ضرورة امنية واخلاقية من وجهة نظره. واكد فيغلين في طروحاته انه لا يمكن الفصل بين حركة حماس والسكان، مستحضرا نماذج تاريخية لقصف المدن خلال الحروب العالمية لتبرير موقفه.
واضاف فيغلين ان المطلوب هو فتح الحدود امام الفلسطينيين للمغادرة نحو وجهات مختلفة، مشددا على ان هذا الاجراء يمثل الطريقة الوحيدة لتحقيق العدالة وفقا لتعبيره، رغم التحذيرات من ان هذه الدعوات قد ترقى الى مستوى الجرائم الدولية وتواجه برفض حقوقي واسع.
وكشفت هذه التصريحات عن عمق الفجوة في التفكير اليميني الذي يسعى لاستغلال حالة الحرب لفرض تغيير ديموغرافي شامل، متجاهلا كافة التبعات الانسانية والقانونية التي قد تترتب على تنفيذ مثل هذه السيناريوهات على ارض الواقع.
رهانات الوقت وادارة ترمب
ورأى الكاتب اميت سيغال ان اسرائيل امام نافذة زمنية محدودة لا تتجاوز العامين لاستغلال وجود ادارة امريكية متوافقة مع التوجهات الاسرائيلية الحالية. واوضح ان أي تغيير في البيت الابيض قد يؤدي الى ضغوط سياسية تعيد طرح حل الدولتين او تفرض قيودا على الاستيطان.
واشار سيغال الى ان غزة اصبحت القضية المحورية للمرحلة المقبلة، مؤكدا ان الحكومة الاسرائيلية تسعى لترسيخ ترتيبات امنية وسياسية تضمن بقاء السيطرة قبل تغير الظروف الدولية. واضاف ان الخطة تواجه تحديات داخلية، حيث يتخوف المسؤولون من ان الضغط الزائد قد يؤدي الى نتائج عكسية في ظل الصراعات السياسية الحزبية.
وبين التقرير ان التوقيت يلعب دورا حاسما، حيث تحاول النخب السياسية استثمار الدعم الامريكي الحالي لتثبيت وقائع جديدة على الارض، بدلا من استنزاف الوقت في الخلافات الداخلية التي قد تضعف الموقف الاسرائيلي امام المجتمع الدولي.
معضلة الاعمار وتكلفة البقاء
وتناول ديفيد روزنبرغ ملف اعادة الاعمار من زاوية اقتصادية بحتة، مشيرا الى ان تقديرات البنك الدولي تشير الى حاجة القطاع لنحو 71 مليار دولار للتعافي من اثار الحرب. واكد ان الاقتصاد في غزة تقلص بشكل كبير، مما يجعل من اعادة الاعمار ملفا ضاغطا لا يمكن تأجيله الى ما لا نهاية.
واوضح روزنبرغ ان الرهانات السابقة على تحسين الاقتصاد لمنع التصعيد قد فشلت، وان اسرائيل انتقلت الى سياسة عسكرية اكثر تشددا. واضاف ان الواقع الديموغرافي يفرض نفسه، حيث لم يغادر القطاع سوى اعداد محدودة من السكان، مما يجعل بقاء الملايين في مراكز الايواء وضعا غير مستدام.
وختم التحليل بان عملية اعادة الاعمار ستبدأ في نهاية المطاف، وسيكون الصراع الحقيقي متمثلا في ادارة هذه العملية والترتيبات السياسية التي ستصاحبها، مع بقاء التساؤلات مطروحة حول الجهة التي ستتولى الاشراف على هذا الملف المعقد في ظل غياب رؤية سياسية شاملة.
