كشفت الحقائق التاريخية عن مفارقة صادمة في مسار اليسار الاسرائيلي الذي رفع شعارات الاشتراكية والعدالة بينما وضع في الوقت ذاته القواعد الصلبة للمشروع الاستعماري. واظهرت الوقائع الميدانية ان هذا التيار لم يكن يوما ندا لليمين في القضايا الجوهرية، بل عمل على تكريس منظومة الاحتلال وتوسيع نطاق الاستيطان منذ اللحظات الاولى لتاسيس الدولة. واكد محللون ان الخلاف بين المعسكرين يتركز فقط حول اليات التنفيذ لا حول المبادئ الاخلاقية او الحقوق المشروعة، وهو ما تجلى بوضوح في المشاركة المباشرة لرموز اليسار في الحروب وعمليات التطهير العرقي بحق الشعب الفلسطيني.

جذور الهستدروت وهندسة السيطرة

وبدات ملامح هذا المشروع تتضح مع تاسيس اتحاد الهستدروت في حيفا عام 1920، الذي لم يكن مجرد نقابة عمالية بل ذراعا تنفيذية لغزو سوق العمل وعزل العمال الفلسطينيين. واضاف المراقبون ان هذا الاتحاد شكل الحاضنة السياسية لحزب ماباي بقيادة ديفيد بن غوريون، الذي اشرف على عمليات التهجير القسري خلال النكبة. وبينت السجلات ان فترة حكم اليسار الطويلة وضعت اسس الجيش والمفاعل النووي ديمونا، كما شهدت تلك الحقبة ارتكاب مجازر دامية وتدشين مخططات الاستيطان الاولى في الضفة الغربية.

من الانكسار السياسي الى التماهي مع الابادة

واوضح المتابعون للمشهد السياسي ان زلزال انتخابات 1977 لم يغير من العقيدة الاستعمارية لليسار الذي ظل داعما للبنية التحتية للمستوطنات حتى بعد تراجعه الانتخابي. واشار تقرير الى ان اليسار الاسرائيلي فشل في تقديم بديل حقيقي، بل انخرط في دعم التوجهات العسكرية خلال فترات حكمه المتعاقبة، وصولا الى اندماج القوى اليسارية المتبقية في كيانات سياسية جديدة لم تغير من قناعاتها الراسخة بضرورة الحفاظ على المشروع الصهيوني. وشدد خبراء على ان الحرب الحالية على غزة كشفت القناع عن الوجه الحقيقي لليبراليين الذين برروا قصف المدنيين تحت ذرائع امنية، فيما يطلق عليه اليوم مصطلح الابادة الليبرالية التي تقتل بضمير هادئ.