تدفع الأزمة المتفاقمة في قطاع غزة، في ظل الحصار الإسرائيلي ونقص المستلزمات الطبية، آلاف المرضى إلى الاختيار بين تحمّل آلام الأسنان، أو تناول المسكنات، أو خلع الأسنان بدلا من علاجها، بعدما أصبحت كلفة العلاج باهظة بالنسبة إلى كثير من العائلات التي تعيش على المساعدات.

وتشير شهادات أطباء ومرضى، في تقرير نشره موقع «دروب سايت نيوز» الأمريكي، الأربعاء، إلى أن خدمات طب الأسنان في القطاع تضررت بشدة خلال السنوات الثلاث الماضية، مع تدمير عيادات واستشهاد أطباء ومنع دخول كميات كافية من المواد والأجهزة الطبية اللازمة للعلاج.

وينقل التقرير قصة نور أبو شمالة، البالغة من العمر 22 عاما، التي تعاني منذ أشهر من آلام حادة في أحد أسنانها الأمامية. وقد أخبرها طبيب الأسنان بأن التسوس وصل إلى العصب، وأن إنقاذ السنّ يتطلب علاج الجذور بتكلفة تبلغ 300 شيكل، أي نحو 100 دولار، بينما لا تتجاوز كلفة خلعه 50 شيكلا، أي نحو 16 دولارا.

لكن أبو شمالة، التي تعيش أسرتها على المساعدات بعد نزوحها المتكرر من منزلها في جباليا، لم تتمكن من تحمّل كلفة العلاج.

وقالت للموقع إنها لا تستطيع دفع هذا المبلغ، وإنها إذا امتلكته فستضطر إلى إنفاقه على احتياجات أكثر إلحاحا. وأضافت أن فقدان أحد أسنانها الأمامية سيؤثر في قدرتها على الضحك والتحدث مع الآخرين، فضلا عن صعوبة تعويضه في ظل الظروف الراهنة.

وأدى اضطرارها إلى تناول المسكنات لأشهر إلى إصابتها بالتهاب في المعدة، وفق تشخيص في إحدى عيادات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا». كما لم تعد قادرة على قضم الخبز أو الفاكهة، وتضطر إلى تقطيع الطعام إلى قطع صغيرة ومضغه بأسنانها الخلفية.

وبحسب التقرير، فإنها لا تزال تنتظر انخفاض أسعار العلاج، رغم أن طبيبها أكد أن السنّ ما زال قابلا للإنقاذ.

الخلع بدلا من العلاج

وتعكس حالة أحمد أبو دان، البالغ من العمر 34 عاما، حجم الخيارات المحدودة أمام المرضى. فقد اضطر الرجل، الذي يبيع الشوكولاتة من بسطة صغيرة في دير البلح، إلى خلع أحد أضراسه بعدما عجز عن دفع كلفة علاجه.

وبدأت آلامه في مارس/ آذار، لكنه لم يتمكن من الحصول على المسكنات بصورة منتظمة، سواء بسبب نقصها في العيادة الحكومية أو عجزه عن شرائها.

وعندما راجع طبيب أسنان في يونيو/ حزيران، خُيّر بين علاج الجذور مقابل 450 شيكلا، أي نحو 145 دولارا، وخلع الضرس مقابل 30 شيكلا، أي نحو 10 دولارات. فاختار الخلع، واستدان المبلغ من أحد أصدقائه، قبل أن تُجرى العملية في يوليو/ تموز.

وقال أبو دان للموقع: «الحرب جعلتنا نخلع أسناننا كي نتمكن من العيش»، مضيفا أن سنّا آخر بدأ يؤلمه، وأنه يخشى مراجعة الطبيب مجددا ليكتشف أنه يحتاج إلى علاج لا يستطيع دفع ثمنه، فيضطر إلى فقدان سنّ آخر.

تدمير العيادات واستشهاد الأطباء

ونقل التقرير عن عرفان اشتيـوي، رئيس نقابة أطباء الأسنان في المحافظات الجنوبية من قطاع غزة، أن الغارات الإسرائيلية دمرت نحو 80% من عيادات الأسنان في القطاع، كليا أو جزئيا، فيما استشهد أكثر من 100 طبيب أسنان منذ بدء الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

وقال إن النقابة تتلقى يوميا إشعارات من أطباء يوقفون عمل عياداتهم أو يقلصون خدماتهم لتقتصر على الحالات الطارئة.

ولا تقتصر الأزمة على نقص المواد الطبية، إذ تعمل العيادات التي لا تزال مفتوحة في ظل انقطاع الكهرباء وعدم انتظام المياه ونقص مواد التعقيم.

وأشار أسامة جابر الشنطي، العميد السابق لكلية طب الأسنان في جامعة فلسطين، إلى أن المستلزمات الخاصة بعلاج الأسنان لم تدخل القطاع إلا بكميات ضئيلة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

وأضاف أن سلطات الاحتلال تصنف مواد طبية تستخدم في طب الأسنان ضمن قائمة المواد ذات الاستخدام المزدوج، وهو تصنيف قال إنه يُستخدم لتقييد دخول مستلزمات ضرورية إلى غزة.

وأوضح أن كميات محدودة تصل عبر عدد قليل من التجار، الذين يدفعون رسوما مرتفعة لإدخالها، الأمر الذي ينعكس على أسعار الخدمات الطبية المقدّمة للمرضى.

ارتفاع الأسعار بصورة غير مسبوقة

وبحسب الشنطي، ارتفع سعر حقنة الراتنج المستخدمة في حشوات الأسنان من نحو 70 إلى 80 شيكلا قبل الحرب، إلى 1200 شيكل حاليا، أي ما يقارب 388 دولارا، بزيادة تصل إلى نحو 1500%.

كما ارتفعت كلفة علاج الجذور، التي كانت تتراوح قبل الحرب بين 70 و150 شيكلا، لتصل حاليا إلى ما بين 500 و700 شيكل في معظم العيادات.

ويقدّم الشنطي العلاج مقابل 300 شيكل، مستفيدا من مخزون اشتراه قبل ارتفاع الأسعار وبكميات كبيرة. وقال إن هذا السعر لا يغطي تكاليفه الحالية، لكنه يواصل العمل به حتى لا يضطر إلى رفض المرضى غير القادرين على الدفع.

وأقام الطبيب عيادته الحالية في حي الرمال بمدينة غزة، بعدما دمرت غارات إسرائيلية عيادتين سابقتين واضطر إلى التخلي عن موقع آخر بسبب النزوح.

ولا تزال العيادة تقدّم خدمات الحشوات والخلع وعلاج الجذور، لكنها توقفت عن إجراء زراعة الأسنان وتبييضها وتركيب الجسور وأطقم الأسنان بسبب نقص المستلزمات. وقال الشنطي إن عيادته واحدة من عدد محدود من العيادات التي لا تزال تعمل، بعدما توقف معظم زملائه عن ممارسة المهنة.

من جهته، قال أيمن الشبروي، صاحب مختبر للأسنان في منطقة الساحة بمدينة غزة، إنه أغلق جزءا من مختبره وسرّح ثلثي العاملين فيه، محذرا من احتمال إغلاق ما تبقى منه إذا استمر منع دخول المستلزمات الطبية.

وكان مركز غزة لحقوق الإنسان قد أفاد، في أغسطس/ آب، بأن إسرائيل تمنع دخول مجموعة واسعة من المواد والأجهزة المخصصة حصرا للأغراض العلاجية في طب الأسنان، تحت تصنيف الاستخدام المزدوج، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الأسعار، ودفع الأطباء إلى اللجوء إلى خلع الأسنان باعتباره الخيار المتاح في كثير من الحالات.

وأضاف المركز أن محافظة خان يونس لا تضمّ سوى عيادة أسنان حكومية واحدة وعيادتين تابعتين لـ«أونروا»، إلى جانب عدد محدود من العيادات الخاصة.

الأطفال أيضا ضحايا نقص الرعاية

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على البالغين. فقد قال الشنطي إنه فحص أطفالا في مخيمات النزوح بدير البلح وخان يونس، في مارس/ آذار 2025، ضمن برنامج نفذته منظمة «أنقذوا الأطفال» في هولندا، شمل فحوصا طبية للأيتام.

وخلال الفحوص، اكتشف أعدادا كبيرة من الأطفال الذين يعانون من تسوس الأسنان من دون تلقي العلاج أو المتابعة، في وقت تعجز فيه أسرهم عن اصطحابهم إلى طبيب الأسنان.

وأشار إلى أن سوء التغذية يزيد المشكلة تفاقما، مضيفا أن معظم أطفال غزة لا يخضعون للفحص الطبي أصلا.

وقالت وردة شعث، طبيبة أسنان في خان يونس، إن نقص المستلزمات يفرض تقنين معظم العلاجات، مشيرة إلى اختفاء مواد الحشوات التي تتصلب بالضوء من السوق.

وأضافت أن بعض الإجراءات التي كانت تكلف نحو 50 شيكلا قبل الحرب، باتت تكلف قرابة 250 شيكلا، أي نحو 81 دولارا.

ووفقا لشعث، يطلب نحو 90% من مرضاها خلع الأسنان بدلا من علاجها، بسبب عدم قدرتهم على تحمل كلفة الحشوات أو علاج الجذور. وأشارت إلى أنها تفكر في إغلاق عيادتها الشهر المقبل إذا استمر نقص الإمدادات.

كما روت حالة أم تبلغ من العمر 32 عاما ولديها أربعة أطفال، فقدت عدة أسنان عندما انهار منزلها عليها، وتحتاج إلى أربع زراعات للأسنان. وتبلغ الكلفة الإجمالية للعلاج نحو 10 آلاف شيكل، أي قرابة 3300 دولار، فيما تصل كلفة المرحلة الأولى وحدها إلى نحو 5 آلاف شيكل.

وقالت شعث إن العيادة حاولت إيجاد وسيلة لتغطية تكاليف العلاج، لكنها لم تتمكن من ذلك، فغادرت المرأة المكان وهي تبكي.

الأطباء ينتظرون دخول المستلزمات

وأكد أطباء الأسنان الذين تحدثوا إلى الموقع أنهم يريدون مواصلة علاج مرضاهم، لكن الحصار ونقص المستلزمات يحدّان بشدة من قدرتهم على تقديم الخدمات.

وقال الشنطي إنه سيبلغ جميع مرضاه فور دخول المستلزمات إلى القطاع، وسيخفض الأسعار على الفور، مؤكدا أن مهنة طب الأسنان لها جانب إنساني، وليست مجرد وسيلة لتحقيق الأرباح.

وفي دير البلح، لا تزال نور أبو شمالة تنتظر. فقد أصبح سنّها الأمامي أضعف وأكثر قتامة، وانكسر جزء صغير من حافته مؤخرا عندما عضّت قطعة من الخبز اليابس.

وبينما تواصل تحمّل الألم، تأمل أن يسمح الاحتلال بدخول المستلزمات الطبية، بما يؤدي إلى انخفاض الأسعار ويمنحها فرصة لإنقاذ سنّها قبل أن تفقده.

رائدة صالحة