تتمسك بعثة الامم المتحدة للدعم في ليبيا بضرورة الوصول الى حالة من الاستقرار السياسي الشامل كشرط اساسي قبل حسم ملف الدستور الدائم للبلاد. وتتزامن هذه الرؤية مع تصاعد المطالب الشعبية بضرورة طرح مسودة الدستور المنجزة عام 2017 للاستفتاء العام باعتبارها طوق النجاة الوحيد للخروج من نفق المراحل الانتقالية المتكررة التي تعيشها الدولة منذ سنوات طويلة.

وبدت ملامح التباين في وجهات النظر واضحة خلال اللقاء الذي جمع نائبة المبعوثة الاممية ستيفاني خوري مع نخبة من الاكاديميين وشيوخ القبائل في مدينة غريان. واكد المشاركون خلال هذا اللقاء على اهمية الاحتكام الى ارادة الشعب الليبي وقطع الطريق امام استمرار حالة الجمود السياسي التي تعيق بناء مؤسسات الدولة المستقرة.

واوضحت البعثة الاممية في بيانها ان مقاربتها الحالية ترتكز بشكل اساسي على توصيات اللجنة الاستشارية والحوار المهيكل. واضافت ان هذه المسارات تخلص الى ضرورة تهيئة الظروف الامنية والسياسية الملائمة اولا لضمان نجاح اي استحقاق دستوري مستقبلي بعيدا عن التجاذبات الحالية.

التحديات الدستورية بين الارادة الشعبية والرؤية الاممية

وبينت النقاشات الدائرة ان ليبيا ما تزال تدار وفق الاعلان الدستوري المؤقت. واشار الحاضرون الى ان بقاء مشروع الدستور معلقا دون استفتاء يطيل امد الازمة ويضعف الثقة في المؤسسات القائمة. وشدد المتحدثون على ان الدولة لا يمكن ان تستقيم الا بوجود دستور دائم يحظى بقبول المواطنين ويضع حدا للجدل حول شرعية السلطة.

وذكر احد الاكاديميين المشاركين ان تكرار سيناريوهات الحكومات الانتقالية يمثل حلقة مفرغة تعيد انتاج الفشل. واكد ان الاستفتاء الشعبي يمثل المدخل الحقيقي والوحيد لتمكين الليبيين من اختيار نظام الحكم الذي يمثل تطلعاتهم بعيدا عن التمديدات غير المبررة للولايات السياسية.

واضاف احد اعيان المنطقة ان التاريخ الوطني الليبي يستوجب احتراما اكبر لارادة الشعب. وشدد على ان شعار دولة الدستور هو الضمانة الوحيدة لدولة القانون التي تنظم العلاقة بين السلطات وتنهي حالة التخبط التي تعاني منها البلاد منذ فترة طويلة.

موقف البعثة الاممية من المسار الدستوري

وكشفت ستيفاني خوري خلال اللقاء عن تقدير البعثة لاهمية التوصل الى دستور دائم ينهي المراحل الانتقالية. واوضحت ان الامم المتحدة ستستمر في دعم الجهود الوطنية الليبية مع التاكيد على ان القرار النهائي يظل سياديا بامتياز بيد الليبيين انفسهم.

وبينت خوري ان المقاربة الاممية تستند الى ضرورة معالجة التحديات الراهنة قبل القفز الى خيارات دستورية قد تكون غير مستدامة. واضافت ان المسارات التي رعتها البعثة مؤخرا تضمنت خيارات متعددة تتراوح بين اجراء الانتخابات او تشكيل لجان حوار تتولى ترتيب الاولويات الوطنية.

واكدت التوصيات الاخيرة الصادرة عن الحوار المهيكل على ضرورة وضع اطار دستوري توافقي مؤقت. واضافت انه يجب مراجعة مسودات الدستور السابقة بواسطة خبراء وطنيين قبل احالة النتائج الى السلطات التشريعية القادمة لضمان توافق وطني واسع.

وجهة نظر الهيئة التاسيسية لصياغة الدستور

وكشف عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور نوح عبد السيد عن قراءته للمشهد الحالي. واوضح ان المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الارادة السياسية لتفعيل المشروع الجاهز الذي انجزته هيئة منتخبة بدلا من البحث عن مسارات بديلة غير مضمونة النتائج.

واستغرب عبد السيد غياب التحرك الدولي الفاعل لدفع ملف الاستفتاء الى الامام. واضاف ان الاكتفاء بالاشادة باهمية الدستور دون خطوات عملية يثير الكثير من الشكوك حول جدية الاطراف الدولية في انهاء الازمة الدستورية التي تعطل استقرار ليبيا.

واكد في ختام حديثه ان الاختبار الحقيقي لمدى نجاح الوساطة الدولية يكمن في دعم الاستفتاء الشعبي. وبين ان التعثر الحالي قد يكون مرتبطا بحسابات دولية تفضل التعامل مع سلطات مركزية بدلا من دعم نظام ديمقراطي كامل يمنح الشعب حق التغيير عبر صناديق الاقتراع.