أحدث قرار المجلس الدستوري اللبناني القاضي بإبطال المادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف تحولا جوهريا في مسار معالجة الأزمة المالية في البلاد. وجاء هذا القرار استجابة للطعن المقدم بشأن آليات إعادة هيكلة القطاع المصرفي. مما يفرض واقعا جديدا أمام السلطات المعنية في التعامل مع ملف استرداد الودائع والمفاوضات الجارية مع صندوق النقد الدولي. حيث بات لزاما على الحكومة إعادة النظر في صياغة القوانين المرتقبة لضمان توافقها مع الدستور والمعايير القانونية المرعية.

وأضاف مراقبون للشأن المالي أن القرار يعيد مصرف لبنان إلى الواجهة كطرف محوري في إدارة عملية إعادة الهيكلة. إذ تتجاوز أبعاد هذا التطور حدود قانون إصلاح المصارف لتصل إلى مشروع قانون الانتظام المالي الذي يعد حجر الزاوية في توزيع الخسائر وتحديد المسؤوليات عن الفجوة المالية الكبيرة. ويؤكد القرار في جوهره على ضرورة التقيد الصارم بأحكام قانون النقد والتسليف وحماية الودائع من أي إجراءات قد تؤدي إلى تصفية غير عادلة أو تحميل المودعين أعباء لا تقع ضمن نطاق مسؤوليتهم القانونية.

وبينت المصادر أن القرار يمثل رسالة واضحة بضرورة الابتعاد عن الحلول التي قد تبدو كأنها شطب للالتزامات المالية دون سند تشريعي واضح. وهو ما يتقاطع مع توجهات مجلس شورى الدولة الذي شدد مرارا على حماية الملكية الفردية ورفض تحميل المودعين وحدهم كلفة الأزمة. ومن المتوقع أن يؤدي هذا التوجه إلى تعقيد المباحثات مع الأطراف الدولية التي كانت تضغط باتجاه صيغ معينة لمعالجة الفجوة المالية.

تأثيرات القرار على مسار المفاوضات الدولية

وتابع خبراء ماليون أن التداعيات لا تقتصر على الجانب القانوني بل تمتد لتشمل المقاربات السياسية والقطاعية التي ستعتمدها اللجان النيابية في مناقشاتها المقبلة. وأوضح المسؤولون أن هناك خشية حقيقية من العودة إلى نقطة الصفر في صياغة الحلول. خاصة مع تباين الرؤى بين الحكومة ومصرف لبنان والمصارف حول كيفية توزيع الخسائر. وهو ما يجعل التوصل إلى اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي أمرا يحتاج إلى وقت أطول ومزيد من التوافق الداخلي.

وأكدت المعطيات المالية أن حجم الفجوة المالية يضع لبنان أمام مأزق حقيقي يتطلب حلولا جذرية بعيدة عن المسكنات القانونية. حيث تظل حقوق المودعين معلقة في ظل تقديرات تشير إلى وجود عشرات المليارات من الدولارات العالقة في النظام المصرفي. ويشير المختصون إلى أن معالجة هذه الأزمة تستوجب اعترافا شاملا بانهيار القدرة المالية للدولة والمصرف المركزي معا.

وأشار تقرير مالي حديث إلى أن استمرار الدولة في تأجيل الاستحقاقات المالية وتجاهل معالجة الديون لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة. وبات من الضروري إدراج كافة الملفات المتعلقة بالديون والسندات الدولية ضمن مشروع قانون الانتظام المالي الشامل. مع ضرورة وجود ضمانات دستورية تحمي حقوق المواطنين وتضمن استدامة القطاع المالي في المستقبل.