بقلم محمد النجار

ثمة علاقات في هذه الحياة لا تحتاج إلى تفسير، لأن القلب وحده يعرف سرّها، وثمة حبٌّ لا تشبهه كل قصص العشق التي كتبها الشعراء، ولا تستطيع الكلمات مهما بلغت من البلاغة أن تحيط بقداسته ونقائه؛ إنّه حبّ الابنة لأبيها.

تقول الهدباء قباني، وهي تصف علاقتها بوالدها الشاعر نزار قباني: «أنت أفسدت حياتي، كلما قارنتك برجل سقط من عيني».

يا لها من عبارة تختصر حكاية كاملة! عبارة تختبئ خلفها فتاةٌ كبرت، لكنها لم تستطع أن تكبر على صورتها الأولى عن أبيها؛ ذلك الرجل الذي رسمت ملامحه في طفولتها، ثم اتخذت منه، دون أن تدري، مقياسًا تقيس به الرجال، وميزانًا تزن به الحب، ومرآةً ترى فيها معنى الأمان والاحتواء.

إنها العلاقة الفطرية التي تجمع الابنة بأبيها؛ علاقة لا تشبه الحب بمفهومه العابر، ولا تخضع لقوانين المنطق والحساب. ففي عينيها، ليس الأب مجرد رجل في حياتها، بل هو الرجل الأول الذي علّمها، دون أن يقصد، كيف يكون الحنان، وكيف يبدو الأمان، وكيف يمكن للقلب أن يطمئن حين يجد كتفًا يستند إليه وروحًا لا تخذله.

في طفولتها، تراه فارس أحلامها الذي يمتطي جوادًا أبيض، ويستطيع أن يحقق لها أمنياتها الصغيرة، ويهزم مخاوفها الكبيرة، ويجعل العالم أقل قسوة بمجرد أن يمسك بيدها. وحين تكبر، قد تدرك أن أباها ليس رجلًا كاملًا، وأنه مثل سائر البشر يخطئ ويصيب، لكنها تحتفظ في أعماقها بتلك الصورة الأولى؛ صورة الرجل الذي كان، في عالمها الصغير، أكبر من الخوف، وأقوى من الخذلان، وأقرب إلى قلبها من كل شيء.

ولعلّ هنا تكمن الحكاية؛ فحين تدخل الابنة عالم العلاقات، لا تبحث عن نسخة مطابقة لأبيها بقدر ما تبحث عن الشعور الذي عرفته بقربه. تبحث عن رجل لا يجعلها تتوسل الاهتمام، ولا تضطر إلى الشك في مكانتها عنده، ولا تخشى أن يتحول الحب يومًا إلى مصدر للألم. وحين لا تجد شيئًا من ذلك، قد يبدو لها بعض الرجال أقل مما تمنّت، لا لأنهم جميعًا سيئون، بل لأن ذاكرتها العاطفية احتفظت بمعيارٍ تشكّل في سنواتها الأولى.

ومع ذلك، يبقى الأب إنسانًا لا بطلًا أسطوريًا، ولا ينبغي أن تتحول صورته الجميلة إلى مقارنة ظالمة تُحاكم بها كل علاقة لاحقة. فلكل حبّ طبيعته، ولكل إنسان طريقته في التعبير، لكن ما يتركه الأب الصالح في روح ابنته يظل أثرًا عميقًا، يرافقها في اختياراتها، ويمنحها إحساسًا بما تستحقه من احترام وطمأنينة.

الخاتمة:

ربما لهذا لا نستطيع تفسير حبّ الابنة لأبيها تفسيرًا كاملًا؛ لأن بعض المشاعر أقدم من اللغة، وأعمق من أن تحاصرها التعريفات. إنه حبّ يبدأ قبل أن تعرف الفتاة معنى الحب، ويكبر معها دون أن يفقد شيئًا من براءته الأولى.

وسيظل الأب، في ذاكرة ابنته، حكايةً لا تشبه سواها؛ الرجل الذي لم يكن مجرد جزء من طفولتها، بل كان أول صورة رسمتها عن العالم، وأول معنى للأمان، وربما أول درسٍ تعلّمته عن الحب.

فطوبى لأبٍ جعل ابنته تعرف قيمتها، لا لأنها ابنته فحسب، بل لأنه علّمها أن الحب لا يُهين، وأن الأمان ليس وعدًا يُقال، بل شعورٌ يُعاش. وطوبى لابنةٍ كلما قست عليها الحياة، وجدت في ذكرى أبيها شيئًا يعيد إلى قلبها إيمانه بأن في هذا العالم متّسعًا للحنان.