خلف اسوار الجامع الازهر العتيق في قلب القاهرة، لا تزال مكتبة عبد الظاهر تمثل حصنا منيعا للحرف اليدوية التي ترفض الاندثار. هنا، لا تزال رائحة الورق المعتق وعبق الجلود الطبيعية تسيطر على المكان، حيث لا وجود لضغطة زر او تقنيات رقمية حديثة، بل تتشكل الكلمات من حروف الرصاص التي ترص بعناية فائقة في الادراج، لتتحول بلمسات الصانع الى صفحات تنبض بالتاريخ في تجربة فريدة توارثتها عائلة عبد الظاهر عبر اربعة اجيال متتالية.
وتكشف هذه المكتبة لزوارها عن جانب غامض وساحر من تاريخ صناعة الكتب، حيث كانت كل صفحة تبنى حرفا بحرف في عملية تتطلب صبرا ومهارة يدوية فائقة. واوضحت التجربة ان الحفاظ على هذه الحرفة لم يكن مجرد تمسك بالماضي، بل كان تحديا لضمان استمراريتها في ظل تراجع سوق الكتب القديمة، مما دفع اصحابها الى ابتكار مسارات جديدة ترتكز على تجليد الدفاتر يدويا لربط التراث باحتياجات العصر الحديث.
واكد القائمون على المكتبة انهم نجحوا في تحويل ادواتهم الموروثة الى وسيلة للتواصل مع جمهور جديد، يبحث عن التميز في دفاتر تحمل لمسة بشرية خاصة، وهو ما اعاد احياء الصلة بين المهنة العريقة والاجيال الشابة التي تقدر قيمة العمل اليدوي في زمن الرقمنة.
من غوتنبرغ الى عبق التاريخ المصري
بينت المتابعة التاريخية ان الطباعة مرت بتحولات جذرية بدأت من الالواح الخشبية في الصين وصولا الى ثورة يوهانس غوتنبرغ بالحروف المعدنية. واضافت الروايات التاريخية ان مسيرة الطباعة في مصر شهدت محطات مفصلية، بدءا من مطابع الحملة الفرنسية وصولا الى المطابع الاميرية في عهد محمد علي، حتى ولدت مكتبة عبد الظاهر عام 1936 لتكون شاهدا على تطور هذا الفن.
واشارت المتابعة الى ان المؤسس رحل في سن مبكرة، تاركا لابنه محمد عبد الظاهر امانة الحفاظ على هذا الارث، ليتوسع نشاط المكان ليشمل ترميم المخطوطات والكتب النفيسة. وكشفت السجلات ان المكتبة ساهمت في حفظ كنوز معرفية مثل تفسير القرطبي وتاريخ الجبرتي، وهي اعمال استقرت بعض نسخها في المتاحف نظرا لقيمتها التاريخية والفنية العالية.
وشددت هند عبد الظاهر، التي تدير المكتبة حاليا، على ان المكان احتفظ بطابعه التراثي رغم كل التغيرات التي طرأت على المجتمع. وبينت ان تراجع سوق الكتب القديمة لم يضعف عزيمتهم، بل دفعهم للابداع في صناعة الدفاتر المخصصة التي تحمل اسماء اصحابها، مما خلق سوقا جديدة تعتمد على جودة الصناعة اليدوية بدلا من الانتاج الكمي.
اجيال جديدة تحمل امانة الحرف
كشفت هند عبد الظاهر ان انضمامها للعمل جاء بعد رحيل والدها عام 2014، لتشارك اشقاءها في ادارة هذا العالم الساحر بعد ان كانت منشغلة بدراستها الجامعية. واضافت ان وجودها اضاف لمسة تطويرية على العمل، مع الحفاظ على القواعد الصارمة التي وضعها الاجداد في التعامل مع ادوات الطباعة والجلود.
واظهر يوسف، ممثل الجيل الرابع، ارتباطا وثيقا بالمكتبة منذ طفولته، حيث تعلم اصول المهنة من اخواله رغم دراسته في مجال ادارة الاعمال. واكد ان المكتبة تضم اكثر من 360 شكلا للحروف العربية، وهو كنز لا يقدر بثمن في وقت باتت فيه هذه الادوات نادرة الوجود ويصعب تعويضها في حال فقدانها.
واشار يوسف الى ان كل حرف في المكتبة يحمل قيمة تاريخية، وان الحفاظ على ادراج الحروف هو جزء لا يتجزأ من حماية هوية العائلة. واوضح ان نشاطهم يمتد من ترميم الكتب العربية القديمة الى تلبية طلبات فنية معاصرة، مما يضمن بقاء المكتبة مركزا حيويا يجمع بين اصالة الماضي ومتطلبات الحاضر.
بصمات خالدة في سجلات التاريخ
بينت التجارب السابقة للمكتبة قدرتها على تنفيذ اعمال فنية كبرى، مثل التعاون مع فنانين كبار كالفنان الراحل نور الشريف، الذي استعان بهم لتجليد مخطوطات اعماله التاريخية. واضاف يوسف ان العمل على سجل زوار المتحف المصري الكبير كان علامة فارقة في تاريخ المكتبة، حيث تطلب المشروع اشهرا من العمل الدقيق وتعتيق الورق يدويا ليناسب هيبة المكان.
واكد ان اختيار جلد الماعز الصحراوي لتغليف الكتب الضخمة يعكس الدقة في اختيار الخامات التي تناسب كل عمل، وهو ما جعل المكتبة مقصدا للباحثين عن التميز. واوضح ان هذه الخبرات المتراكمة هي التي تمنح منتجاتهم هوية فريدة لا يمكن مضاهاتها في سوق العمل اليدوي التقليدي.
واضاف ان استخدام الاقفال النحاسية والورق المعتق يضفي لمسة جمالية على الدفاتر، مما يجعلها تحفا فنية يقتنيها محبو الفنون. وختم يوسف بالقول ان المكتبة ستظل وفية لتقاليدها، بينما تواصل تطوير اساليبها لتستمر في خدمة الكتاب والادباء في عصر جديد، مع الحفاظ على اليد التي تختار الحرف واليد التي تشد الجلد، كرمز لاستمرار حكاية عائلة عبد الظاهر.
