تتصدر الاضطرابات المالية في فرنسا المشهد الاقتصادي الاوروبي خلال الاسبوع الحالي، مما يضع البنك المركزي الاوروبي امام اختبار دقيق اثناء اجتماعه المرتقب، حيث يواجه صانعو السياسة النقدية تحدي الموازنة بين احتواء الضغوط التضخمية وبين التعامل مع تعثر ثاني اكبر اقتصاد في منطقة اليورو دون تقديم دعم استثنائي قد يفسر كطوق نجاة غير مبرر. ويبدو ان التوجه العام داخل اروقة البنك يميل نحو تثبيت اسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية، في محاولة للحفاظ على توازن دقيق وسط تقلبات اسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية التي تلقي بظلالها على القارة العجوز.
واكد خبراء اقتصاديون ان الانظار تتجه نحو كيفية ادارة البنك المركزي الاوروبي للازمة السياسية والمالية الفرنسية، خاصة بعد القفزات القياسية في عوائد السندات الحكومية الفرنسية التي وصلت الى مستويات لم تشهدها منذ عقدين من الزمن، نتيجة المخاوف المرتبطة بموازنة العام المقبل. واضاف المحللون ان هذه التطورات تاتي في وقت تشهد فيه الشوارع الفرنسية احتجاجات واسعة النطاق، مما زاد من حالة عدم اليقين حول قدرة الحكومة على ضبط الانفاق العام والسيطرة على الديون المتراكمة.
وبينت تقارير الاسواق ان هناك تكهنات بشان امكانية تفعيل ادوات حماية السياسة النقدية للحد من اضطرابات الاسواق، غير ان هذه الخطوة تتطلب شروطا صارمة لا تتوفر حاليا في الحالة الفرنسية، حيث يرى المراقبون ان المشكلة تكمن في السياسات المالية المحلية لا في عيوب هيكلية في النظام المالي الاوروبي ككل. واوضحت كريستين لاغارد رئيسة البنك المركزي الاوروبي في مناسبات سابقة ان الحل الجذري للازمة الفرنسية يجب ان ينبع من داخل باريس عبر اصلاحات مالية هيكلية وليس عبر تدخلات خارجية من البنك المركزي.
تداعيات الازمة الفرنسية على السياسة النقدية
واشار خبراء في مجموعة كابيتال ايكونوميكس الى ان الفارق بين عوائد السندات الفرنسية ونظيرتها الالمانية لا يزال ضمن الحدود التي لا تستدعي تدخلا طارئا، مما يعزز فرضية ان البنك سيترك الاسواق لتصحح مسارها بنفسها. وشدد محافظ البنك المركزي الفرنسي بدوره على ان الظروف الراهنة لا تستوجب استخدام ادوات الطوارئ، مما يعكس توافقا ضمنيا بين المسؤولين على ابقاء السياسة النقدية بعيدة عن الصراعات السياسية الداخلية.
وكشفت التحليلات الاقتصادية ان ارتفاع عوائد السندات قد يؤدي بشكل طبيعي الى تشديد شروط التمويل، وهو ما يحاكي في تأثيره رفع اسعار الفائدة، مما قد يدفع البنك المركزي الاوروبي الى التريث في قراراته القادمة. واضاف اقتصاديون ان ازمة الديون الفرنسية ساهمت في تقليص احتمالات رفع الفائدة بشكل كبير، حيث باتت الاسواق تقوم بجزء من مهمة البنك في كبح جماح التوسع الاقتصادي عبر رفع تكاليف الاقتراض على الشركات والافراد.
وخلصت التوقعات الى ان البنك المركزي الاوروبي قد يؤجل اي تغيير جوهري في سياسته الى الاجتماع القادم في ديسمبر، حيث سيكون لدى المجلس رؤية اوضح حول توقعات النمو والتضخم للعام المقبل. واكدت مصادر ان النقاشات قد تتطرق ايضا الى مستقبل لاغارد في منصبها، وسط شائعات مستمرة حول توجهها لمناصب دولية اخرى، رغم نفيها المتكرر لوجود اي خطط معلنة للتنحي عن رئاسة البنك في الوقت الحالي.
