هل حدث ان تابعت فيلما طويلا او مسلسلا يتكون من عشرات الحلقات ثم وجدت نفسك بعد فترة قصيرة عاجزا عن تذكر تفاصيل احداثه او حتى اسماء ابطاله، بل ربما يصل الامر الى نسيان انك شاهدت العمل من الاساس رغم جلوسك امامه لساعات، في حين تظل اعمال قديمة محفورة في ذاكرتك ولا تزال مشاهدها حاضرة بقوة في ذهنك رغم مرور سنوات طويلة على عرضها.
واظهرت هذه المفارقة تساؤلات ملحة حول طبيعة ذاكرتنا وكيفية تعاملها مع الكم الهائل من المحتوى الذي نستهلكه يوميا، وبينما يظن البعض ان الامر يعود الى ضعف الذاكرة الشخصية، يرى خبراء ان القضية اعمق من ذلك وتتعلق بطريقة استهلاكنا للمحتوى وتغير عاداتنا في المشاهدة وسط عالم مليء بالمشتتات الرقمية.
وكشفت دراسات علمية ان المشكلة لا تكمن دائما في قدراتنا الذهنية الفردية، بل في كيفية معالجة الدماغ للمعلومات المتدفقة، واوضح الباحثون ان الذاكرة تختلف في استجابتها للمثيرات حيث يميل البعض لتذكر الحقائق بينما يسترجع اخرون الاسماء والاحداث، مما يؤكد ان تباين القدرات هو امر طبيعي بين البشر.
لماذا تتلاشى الاحداث من ذاكرتنا بسرعة
وبينت الابحاث ان قدرتنا على الاحتفاظ بما نشاهده تعتمد بشكل مباشر على مدى تركيزنا والوقت الفاصل بين المشاهدة والاسترجاع، واكدت الدراسات ان وفرة المحتوى عبر منصات البث الرقمي وتطبيقات الفيديوهات القصيرة جعلت التجارب تتزاحم داخل عقولنا، مما يؤدي الى تداخل الحبكات وتشابه الشخصيات وهو ما يصعب على الدماغ عملية الفرز والتخزين طويل الامد.
واضاف الخبراء ان نمط المشاهدة المتواصلة الذي تروج له منصات العرض، والذي يطلق عليه سباق المشاهدة، يعد عاملا حاسما في ضعف الذاكرة، واوضحوا ان الاعتماد على تأثير التباعد في توزيع وقت المشاهدة بدلا من تكثيفها في جلسة واحدة يساعد الدماغ بشكل افضل على تثبيت المعلومات وتخزينها في الذاكرة البعيدة.
وشددت التجارب العلمية على ان المشاهدة المتصلة تعطي شعورا وهميا بالفهم والاستيعاب الفوري، لكن هذا الشعور يتبخر بسرعة مع مرور الايام، بينما يساهم وجود فواصل زمنية في منح الدماغ فرصة لمعالجة الاحداث وربطها ببعضها، مما يجعلها اكثر رسوخا مقارنة بمن يستهلك العمل الفني دفعة واحدة.
تشتت الانتباه وعدم الحاجة للتذكر
وتابعت الدراسات ان عادة استخدام الهاتف المحمول اثناء مشاهدة التلفاز تلعب دورا سلبيا كبيرا، واظهرت نتائج الفحوصات ان تشتت الانتباه وتعدد المهام الرقمية يقللان من قدرة الدماغ على تكوين ذكريات قوية، حيث ينقسم التركيز بين الشاشة والاشعارات مما يضعف جودة التجربة الادراكية للمشاهد.
وكشفت ابحاث اخرى ان عصر الانترنت غير من فلسفة الذاكرة البشرية، واوضحت اننا لم نعد نشعر بضرورة حفظ المعلومات لاننا ندرك امكانية الوصول اليها في اي وقت، واكدت ان الدماغ اصبح يميل الى تذكر اماكن العثور على المعلومة بدلا من تذكر تفاصيل المعلومة نفسها، وهو سلوك تكيفي مع التكنولوجيا الحديثة.
واضاف المختصون ان استعادة القدرة على تذكر ما نشاهده تتطلب تغيير بعض العادات، مبينا ان توزيع المشاهدة على فترات متباعدة، والابتعاد عن الهواتف اثناء المتابعة، ومناقشة الاحداث مع الاخرين بعد انتهائها، تعد خطوات فعالة لتعزيز الذاكرة، مع التشديد على اهمية النوم الكافي الذي يعد المحرك الاساسي لتثبيت الذكريات في العقل البشري.
