مقدمات أولى على هامش الحدث الإرهابي في مدينة الكرك

هذا أوان الإشارة بوضوح بأن بعض الجرائم ليست مجرد حوادث دامية تقاس بعدد الضحايا، أو تختزل دلالاتها في لحظة إطلاق النار، أو في المكان الذي احتضن المأساة، هناك جرائم تستهدف إلى جانب أرواح الأبرياء، المعنى الذي يجمع الناس، والثقة التي تشد أبناء المجتمع بعضهم إلى بعض، والذاكرة الوطنية التي صاغتها عقود من بناء الدولة الأردنية، وهذا ما يجعل الاعتداء الإرهابي على كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك في 23 تشرين الأول 2026 جريمة تتجاوز حدود المكان، لتصبح امتحاناً للوعي الوطني، وصلابة الدولة

وقدرة المجتمع الأردني على حماية وحدته من محاولات العبث والتفتيت.

ولقد ارتقى في هذا الاعتداء تسعة مواطنين، وأصيب أربعة وثلاثون آخرون، ولم يكن الضحايا الأبرياء مجرد أرقام في سجل جريمة، بل أبناء وأشقاء وآباء وأصدقاء، لكل منهم حكاية وحضور ومكانة في حياة أسرته ومجتمعه، وبالتالي فإن أول ما يفرضه الواجب الوطني والإنساني هو مواساة الأهل والتصميم على محاسبة المجرمين والانتقال إلى مشروع المواجهة الشاملة، بعيداً عن توظيف المأساة في إثارة الفتنة أو إحداث الانقسام، ويبرز هنا حقيقة ينبغي ملاحظتها حول أهداف هذا الفكر المتطرف في بلدنا ودراسة سياق حدوث الجريمة، إلى جانب التفكير بأن استهداف دور العبادة لم يكن من اجل القتل وحسب وإنما سعياً وراء دفع المواطن الأردني إلى التفكير بالاختلاف الديني والاجتماعي والاقتصادي بحيث يذهب هذا التفكير إلى منزلة التهديد بعد أن كان من مصادر التاريخ الوطني المشترك، ومرة أخرى فإن تفكيك ما حدث يستلزم التمييز المنهجي بين الجريمة والفكر الذي منحها مسوغات ارتكابها ؟، وأن القضاء على مرجعيات هؤلاء يقف على ذات درجة الأهمية في مواجهة الأدوات التي يمثلها هؤلاء المجرمين.

ويتعين علينا الإقرار بأن الإرهاب في جوهره وحقيقته توظيف مقصود للعنف سعياً وراء تحقيق اهداف سياسية واجتماعية من خلال بث الرعب وإكراه خيارات المجتمع أو التأثير في قراراته ومواقفه، وهو لا يمكن حصر آثاره بوسيلة الاعتداء وحدها، بل بما يحمله من استهداف للأبرياء، وانتهاك لحقوق الإنسان في الحياة والأمن، بينما الفكر المتطرف فإنه يتبلور عندما ينغلق الوعي

على أفكار إقصائية ترفض التعدد الفكري والديني والإنساني، وتمنح أصحابها شعوراً مزيفاً بامتلاك الحقيقة المطلقة، ويبلغ الفكر التكفيري منزلة من أخطر درجاته حينما يتحوّل الحكم على الآخرين في معتقداتهم وهوياتهم إلى ذريعة لإهدار كرامتهم أو استباحة دمائهم، والخطورة هنا ليست في اختلاف الآراء أو في النقاش الديني والفكري، فهذه من طبيعة المجتمعات الحية، وإنما في الانتقال من الاختلاف إلى الإقصاء، ومن الإقصاء إلى نزع الإنسانية عن الآخر، ومن نزع الإنسانية إلى تبرير العنف ضده، وعندما يصل العقل إلى هذه المرحلة، يصبح القتل في تصوره المشوه فعلاً مقبولاً، وعليه لا يجوز منهجياً اختزال مواجهة التطرف في المعالجة الأمنية وحدها، على أهميتها وضرورتها، بل لا بد من مواجهة موازية تستند إلى التربية والتعليم، والخطاب الديني المستنير، والأسرة الواعية، والإعلام المسؤول، والثقافة النقدية، والانتماء والولاء للوطن.

تاريخ الأردن في الوحدة والتماسك لا تمحوه رصاصات الإجرام

في السياق ذاته برز خلال هذا الحدث أنَّ الوحدة والتلاحم بين الأردنيين ليست استجابة طارئة لجريمة قاسية، ولا صورة موسمية تظهر في لحظات الخطر ثم تختفي؛ إنهما حصيلة تاريخ طويل من الشراكة في بناء الدولة، والدفاع عن ترابها، وتحمل أعباء الحياة وتحدياتها، فمن هذه المنطلقات تشكلت الهوية الوطنية الأردنية عبر تجارب متراكمة جعلت المواطنة والانتماء والمصير المشترك ركائز أساسية في الوجدان العام، وكل أردني منذ تأسيس الدولة كان شريكاً في ميادين التعليم والعمل والإدارة والثقافة والخدمة العامة، ولم يكن هذا الحضور مجرد تعايش بين جماعات متجاورة، بل مشاركة في صناعة المجتمع، وفي بناء مؤسساته، وفي حفظ ذاكرته، وفي الدفاع عن أمنه واستقراره، ومن هنا، فإن الكنيسة في قرية حمود ليست فضاء منفصلاً عن الوطن، كما هو حال المسجد تماماً، كلاهما جزء أساسي في مجتمعنا، وأفضل الردود على هذه الجرائم هو تحويلها إلى عهد جديد لحماية التماسك المجتمعي، وتعزيز الثقة، ورفض التحريض، والتفريق بين منطق الإرهاب والوحدة الوطنية يكشف تناقضات مدهشة: فالإرهاب يقسم الناس إلى فئات متقابلة، والمواطنة تقوم على المساواة في الكرامة والحقوق، والإرهاب يستمد قوته من الخوف، فيما يستمد المجتمع المتماسك قوته من الثقة، وصولاً إلى كون الإرهاب يجعل الاختلاف سبباً للقتل يحوّل الوطن الاختلاف إلى مساحة للشراكة في البناء والتنمية.

يقظة الدولة والأجهزة الأمنية عندما تصبح المعرفة شرطاً للمواجهة

استطاعت المؤسسات الوطنية الأردنية وفي مقدمتها الجيش العربي والأجهزة الأمنية ممثلة بمديرية الأمن العام والدرك أن تصنع من المعلومات شبكة متكاملة من القرارات الدقيقة، أما دائرة المخابرات العامة "فرسان الحق" فقد أكدت ما يعلمه كل أردني عنها عندما تبلورت مؤشرات اليقظة الدائمة، والانضباط والعمل بصمت وحكمة، وكانت جميع هذه المؤسسات الوطنية الأردنية كما أرادها جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين منظومة مُحْكَمَة من التخطيط والتنفيذ والمتابعة من أجل حفظ الوطن والدفاع عنه في كل زمان ومكان، ويمكن القول بكل ثقة أن هذه الأجهزة تدرك أن أعظم الانتصارات في مجال عملها قد تكون تلك التي لا يسمع الناس عنها، لأن خطراً جرى إحباطه قبل أن يتحوّل إلى مأساة، وتهديداً جرى كشفه قبل أن تطال آثاره أبناء الأردن، ولم تكن رسالتهم يوماً مجرد ملاحقة للخطر وكشفه والقضاء عليه، بل حماية للحياة والمستقبل للأردنيين.

القيادة الهاشمية: حزم يحمي الدولة وإنسانية لا نظير لها

ومن تمام العدل بيان معاني القيادة في أبهى صورها حين تجتمع هيبة الدولة بسمو الإنسانية، ويقترن الحزم في مواجهة الخطر بالتواضع في حضرة الألم، وتغدو مسؤولية الحكم امتداداً صادقاً لمسؤولية القائد نحو شعبه، وقد جسد جلالة الملك عبد الله الثاني هذا المعنى بوقوفه إلى جانب أبناء شعبه، ومواساته للأسر المفجوعة، وحرصه على مشاركة الأردنيين ألمهم في لحظة عصيبة من تاريخهم، فلم تكن الكرك وأهلها، في وجدان جلالته، مجرد موقع الجريمة آثمة، بل أخوة وأخوات وأبناء أصابهم الفقد وأثقلهم الحزن، ووجدوا في قائد البلاد السند والملاذ، ويبدو جلياً هنا كيف تتجاوز القيادة حدود الموقع والمسؤولية الرسمية بحيث تلامس جوهرها الإنساني النبيل، حيث لم يمنع المقام الرفيع صاحبه أن يقترب من الناس كعادته، ولا تحجب هيبة العرش دفء المشاعر، بل يزداد المقام رفعة حين يتواضع صاحبه أمام وجع شعبه، ويجعل من مواساة المكلومين واجباً تفرضه المحبة وتصوغه المسؤولية، وتؤكده أصالة النهج الهاشمي.

وفي المقابل، فإن هذه الإنسانية الرفيعة لا تعني عدم الحزم في مواجهة الجريمة، أو التساهل مع من يستبيح دماء الأبرياء ؛ فحين يُمس أمن الأردن، يكون الحزم واجب الدولة، وتكون سيادة القانون مسألة لا يمكن تجاوزها، ووفق هذا التوازن الدقيق والرؤية الناظمة للمسؤولية والواجب برز رفق القائد بأبناء شعبه وصلابته في حماية وطنه، ولعلّ أعمق ما تحمله هذه المواقف من دلالة أن جلالة الملك لا يفصل بين أمن الوطن وكرامة المواطن، ولا بين مواجهة الإرهاب وصون النسيج

الوطني، ومن الإنصاف أن نؤكد انفراد قيادتنا الهاشمية بهذا المستوى من الحزم والإنسانية، إلى جانب ما يعبر عنه الحضور الملكي في وجدان الأردنيين، وما يكرّسه هذا النهج من قيم والتواضع والمسؤولية، إنها معادلة الأردن التي تُعيد صياغة نفسها في الشدائد، وهكذا تبقى الكرك ويبقى الأردن كله العنوان الأكبر في قوة بلدنا وتماسكه، وفي تلاحم قيادته وشعبه.

ومن أعظم الدروس التي علمتنا إياها الكرك وقرية حمود أنَّ قوتنا ليس في القدرة على القبض على المجرمين ومواجهة الفكر المتطرف فقط، وإنما بقدرة الشعب الأردني على حماية نسيجه الاجتماعي، وقدرة مؤسساته على الاستمرار في مواجهة التحديات، وترسيخ الثقة بين قيادتنا الهاشمية وشعبنا وأرضنا وهويتنا.