تواصل الصين المضي قدما في استراتيجية طويلة الامد لتقليص حيازتها من سندات الخزانة الامريكية في خطوة تتجاوز مجرد اعادة ترتيب الاحتياطيات النقدية لتكشف عن تحول هيكلي عميق في العلاقة المالية بين بكين وواشنطن. واظهرت البيانات الاخيرة هبوط قيمة السندات التي تمتلكها الصين الى مستوى 633.4 مليار دولار وهو ادنى مستوى يسجل منذ عام 2008 مما يعكس رغبة بكين في الحد من انكشافها على النظام المالي الذي يهيمن عليه الدولار.
واضاف محللون ان هذا التوجه ياتي في ظل تصاعد التوترات التجارية والمخاوف من العقوبات الامريكية المتلاحقة التي قد تستهدف مؤسسات صينية. واكد خبراء اقتصاديون ان بكين لم تعد تنظر الى هذه السندات كاستثمار امن ومستقر فحسب بل اصبحت تتعامل معها كاداة مالية تخضع لحسابات المخاطر الجيوسياسية خاصة بعد متابعة بكين لتجميد الاصول الروسية في الخارج.
وبينت التحليلات ان هذا المسار ليس وليد اللحظة بل هو نتيجة توجه بدأ منذ اكثر من عقد كامل حيث كانت الصين تمتلك ما يتجاوز 1.3 تريليون دولار من الديون الامريكية. واوضح الباحثون ان الصين تسعى الان الى تنويع سلة احتياطياتها من خلال التوسع في شراء الذهب والعملات الاخرى لتقليل المخاطر المرتبطة بالتقلبات في سعر صرف الدولار والسياسات النقدية الامريكية.
ابعاد التحول المالي الصيني
وكشفت التقارير المالية ان انخفاض الحيازة الصينية المباشرة لا يعني بالضرورة خروج الاموال من الاصول الدولارية بشكل كامل. واشار مراقبون الى ان بكين قد تكون اعادت توزيع جزء من استثماراتها عبر مراكز مالية دولية وسيطة لاخفاء حجم ملكيتها الحقيقي او لتسهيل عمليات ادارة السيولة. واكدت وزارة الخزانة الامريكية في وقت سابق صعوبة تحديد المالك النهائي للاوراق المالية نظرا لتعقيدات مراكز الحفظ الدولية.
واضاف الخبير الاقتصادي تشاو تشي جيون ان هذا التعديل الهيكلي يعتمد على ثلاثة اعتبارات رئيسية تشمل الامن المالي والعائد الاستثماري وتنويع الاصول. وشدد على ان الصين تدرك ان بيع السندات بشكل مفاجئ قد يضر بمصالحها الخاصة نظرا لان اي اضطراب في سوق الديون الامريكية سينعكس سلبا على استقرار اليوان والاسواق العالمية المرتبطة بالتجارة الصينية.
وبين شاهر الشاهر استاذ الدراسات الدولية ان السندات لا تزال تمثل ورقة ردع في يد بكين ولكن استخدامها يظل مستبعدا على نطاق واسع في الوقت الراهن. واوضح ان السياسة الصينية تركز على المدى الطويل بدلا من الصدامات المالية المباشرة التي قد تطلق شرارة ازمة عالمية لا ترغب الصين في تحمل تبعاتها.
مستقبل الدين الامريكي في ظل تراجع الطلب
واكدت بيانات الاحتياطي الفدرالي ان هيكل ملكية الديون الامريكية قد تغير بشكل جذري خلال العقدين الماضيين مع صعود دور الصناديق الخاصة والمستثمرين المحليين. واشار خبراء الى ان واشنطن قد تواجه تحديات حقيقية في تمويل دينها العام اذا استمر تراجع الطلب الرسمي الاجنبي. واوضحوا ان المستثمرين الجدد قد يطالبون بعوائد اعلى لتعويض غياب المشترين التقليديين مثل الصين.
واضاف جورج خوري رئيس قسم الابحاث في احدى المؤسسات المالية ان تكلفة الاقتراض الامريكي مرشحة للارتفاع نتيجة هذه التحولات. وشدد على ان السوق الامريكي سيتعين عليه التكيف مع واقع جديد يقل فيه الاعتماد على البنوك المركزية الاجنبية. وبين ان هذا الوضع يضع ضغوطا اضافية على المالية العامة الامريكية التي تعاني اصلا من تصاعد الدين لمستويات قياسية.
واوضحت التقارير ان الادارة الامريكية تتابع هذه التحركات بحذر شديد مع محاولات مستمرة للضغط على بكين لتعزيز الطلب المحلي. واكدت ان خيارات الرد الصيني ستظل محدودة ومدروسة بعناية لتجنب خسارة قيمة المحفظة المالية المتبقية. وخلص المحللون الى ان الصين ستستمر في سياسة التخفيض التدريجي لتقليل انكشافها دون التسبب في انهيار مالي قد يرتد عليها.
