لم يعد البحث عن مصدر دخل اضافي مقتصرا على الرغبة في زيادة المدخرات او تمويل خطط مستقبلية كما كان سائدا في السابق. فقد ادت موجات الغلاء المتلاحقة وتآكل القوة الشرائية للرواتب الى تغيير جوهري في نظرة ملايين الاسر للعمل الجانبي. واصبح الحصول على دخل ثان بمثابة شبكة امان مالية حيوية تهدف الى تغطية الاحتياجات المعيشية اليومية وتجنب الوقوع في فخ الديون المتراكمة.
واوضحت بيانات حديثة ان شريحة واسعة من الموظفين باتت تنظر الى العمل الاضافي كوسيلة لتجنب اللجوء الى بطاقات الائتمان او السحب من المدخرات المحدودة. وبينت المؤشرات ان استراتيجيات الاسر لمواجهة الضغوط الاقتصادية تطورت لتشمل تنويع مصادر الرزق كخط دفاع اول ضد تقلبات سوق العمل واحتمالات فقدان الوظيفة الاساسية. واظهرت الدراسات ان نحو 40 بالمئة من العاملين اتجهوا نحو هذا الخيار استجابة للارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة.
واكد خبراء الاقتصاد ان الاعتماد الكلي على راتب واحد اصبح ينطوي على مخاطر عالية في ظل الظروف الراهنة. واضافوا ان تضخم الاسعار وتذبذب سلاسل الامداد اديا الى حالة من التوتر المالي لدى الاسر المتوسطة الدخل. وشددوا على ان الوظيفة الواحدة لم تعد كافية لتوفير الامان المالي المطلوب في ظل استمرار ارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة والخدمات الاساسية.
واقع القوة الشرائية وتحديات الميزانية
وتكشف التقارير الاقتصادية ان تباطؤ معدلات التضخم لا يعني بالضرورة استعادة القوة الشرائية المفقودة. واوضحت البيانات ان وتيرة نمو الاجور لا تزال بطيئة ولا تواكب الزيادات التراكمية في اسعار السلع والخدمات التي شهدتها السنوات الماضية. واضافت ان الكثير من الاسر تجد نفسها مضطرة لتقليص نفقاتها غير الضرورية او استنزاف مدخراتها لمجرد الحفاظ على مستوى معيشي مقبول.
وبينت المسوحات الميدانية ان نسبة كبيرة من العاملين يواجهون صعوبة بالغة في تغطية الطوارئ المالية. واشار التقرير الى ان اقل من نصف الاسر قادرة على دفع مبلغ بسيط لمواجهة ظرف طارئ دون الحاجة للاقتراض. واكدت ان هذه الفجوة المالية هي المحرك الرئيسي لانتشار ظاهرة الوظائف المتعددة التي لم تعد ترفا بل ضرورة للبقاء.
واوضح المحللون ان مفهوم الدخل الثاني يتجاوز مجرد زيادة الرصيد البنكي ليصل الى مفهوم سد الفجوة بين الدخل والنفقات. واضافوا ان الاسر العربية تواجه تحديات مضاعفة بسبب تراجع قيمة العملات في بعض المناطق وتأثير ذلك المباشر على القدرة الشرائية. واشاروا الى ان تنويع مصادر الدخل اصبح ضرورة استراتيجية لا غنى عنها لضمان استقرار الاسرة المالي.
تنويع الدخل كاستراتيجية للحماية
وتؤكد الدراسات ان تنويع مصادر الدخل يعمل بطريقة مشابهة لتنويع المحافظ الاستثمارية لتقليل المخاطر. واضافت ان الهدف هو عدم ربط مستقبل الاسرة المالي بمصدر واحد قد يتعرض للتعطل في اي لحظة. وشددت على ان الدخل الثاني قد يأتي من عمل حر او مشروع صغير او حتى من مشاركة افراد الاسرة الآخرين في سوق العمل.
وبينت الابحاث ان وجود اكثر من مصدر للدخل يقلل من حدة الصدمات المالية عند فقدان الوظيفة الاساسية. واضافت ان استجابة افراد الاسرة للعمل عند انخفاض دخل المعيل الرئيسي تعد مؤشرا قويا على مرونة الاسر في مواجهة الازمات. واظهرت ان هذه الاستجابة تكون اكثر وضوحا وضرورة في اوساط الاسر ذات الدخل المحدود التي لا تمتلك اصولا مالية كافية.
واوضح الخبراء ان بناء الامان المالي يتطلب خطوط دفاع متكاملة تبدأ بضبط الديون وتنتهي بتنويع الدخل. واضافوا ان التركيز على وظيفة ثانية لا يغني عن بناء صندوق للطوارئ. وشددوا على ان التوازن بين العمل والراحة ضروري لضمان استمرارية القدرة على الانتاج وتجنب الارهاق الذي قد يؤثر على الوظيفة الاساسية.
