يحتضن المتحف الوطني للحلي بقصبة الوداية في العاصمة الرباط معرضا استثنائيا يسلط الضوء على فن التطريز المغربي بوصفه ذاكرة حية للهوية الوطنية. ويقدم هذا المعرض رحلة بصرية وانثروبولوجية تأخذ الزوار في جولة عبر الزمن لاستكشاف اسرار الغرزة التي تناقلتها الاجيال عبر قرون من الزمن. وتتضمن المعروضات قطعا تاريخية يعود بعضها الى القرن التاسع عشر الى جانب اعمال معاصرة تعكس استمرارية هذا الفن الاصيل في الوجدان المغربي.
واضاف القائمون على المعرض ان هذه التظاهرة الثقافية تهدف الى ابراز الدور الذي لعبته المراة المغربية في صياغة هذا التراث الغني. واكدوا ان التطريز لم يكن مجرد حرفة منزلية بسيطة بل كان وسيلة تعبير فني وثق للحياة اليومية في مدن عريقة مثل فاس والرباط وسلا وتطوان وشفشاون. وبينوا ان المعرض يفتح ابوابه للجمهور ليستمتعوا بتفاصيل دقيقة تجسد التنوع الثقافي والجغرافي للمملكة.
واوضح المشرفون ان المعرض ثمرة تعاون دولي يجمع بين المؤسسة الوطنية للمتاحف ومتحف انغوليم الفرنسي. وشددوا على اهمية هذا التقارب في استعادة جزء من الذاكرة الفنية التي وثقها الباحث الفرنسي بروسبير ريكار خلال فترة تواجده بالمغرب. واشاروا الى ان المعرض يمزج بين القطع التاريخية النادرة والابداع المعاصر للمصممة فاطمة لوفيك التي اعادت احياء تقنيات قديمة طالها النسيان.
حوار بين زمنين
وبينت هاجر خودة المحافظة المساعدة بالمتحف الوطني للحلي ان المعرض يقدم حوارا فنيا بين الرصيد التاريخي والابداع الحديث. واوضحت ان مجموعة بروسبير ريكار تعد ركيزة اساسية في هذا العرض حيث تضم اكثر من مئة نموذج من المفارش والمناديل والوسائد التي تعكس مدارس التطريز التقليدية. واضافت ان ريكار كان شخصية محورية في توثيق الفنون المغربية خلال النصف الاول من القرن العشرين.
وكشفت المصادر ان المصممة فاطمة لوفيك عملت على دراسة تقنيات ريكار بدقة متناهية لاعادة انتاج القطع غير المكتملة. واكدت ان هذه المبادرة ساهمت في الحفاظ على اساليب الغرز التقليدية من الاندثار. وشددت على ان الاعمال المعاصرة المعروضة تعتمد بشكل اساسي على مهارات الصانعات التقليديات اللواتي يواصلن حمل مشعل هذا الفن بايديهن المبدعة.
وذكرت ان المعرض يبرز الفرق بين المدارس الفنية في التطريز المغربي. واوضحت ان مدرسة فاس تشتهر بطرز الحساب الذي يعتمد على عد الخيوط بدقة دون رسم مسبق. واضافت ان مدرسة مكناس تعتمد على غرزة الطرح التي تنفذ في اتجاهات هندسية دقيقة لتشكل لوحات فنية متناغمة على الاقمشة الرقيقة كالموسلين والقطن.
سفر في عواصم الطرز
وبينت الدراسات المعروضة ان فن الطرز يرتبط ارتباطا وثيقا بالمرأة المغربية التي جعلت منه جزءا من طقوس المناسبات والاعراس. واكدت ان هذا الفن يعكس مخيالا جماليا واسعا يتمثل في استخدام العناصر النباتية والاشكال الهندسية والنجوم. وشددت على ان تنوع الغرز والالوان يمنح كل منطقة مغربية هوية بصرية متميزة تعبر عن خصوصيتها المحلية.
واظهر المعرض ان مدرسة الرباط تتميز بانسيابية الخطوط والزخارف النباتية التي تاثرت بالهجرات الاندلسية التاريخية. واضافت ان مدينة سلا طورت بدورها تقليدا حضريا يجمع بين دقة الهندسة وجمال الالوان. وشددت على ان كل قطعة معروضة تروي حكاية مدينة وتاريخ عائلة وتوارث مهارات يدوية فريدة.
وكشفت المعطيات ان مدرسة ازمور تنفرد بزخارف تجسد الكائنات الحية والطيور والحيوانات الخرافية. واوضحت ان هذه الاعمال تعتمد على غرزة الضفيرة التي تبرز الزخارف فوق خلفية القماش العاجي. واضافت ان هذه التاثيرات قد تعود الى نماذج ايطالية واسبانية دخلت المنطقة ابان عصر النهضة قبل ان تكتسب طابعا مغربيا خالصا.
ذاكرة اجتماعية
واكدت المعروضات ان التطريز الامازيغي والصحراوي يمثل جزءا لا يتجزا من الهوية الوطنية. وبينت ان هذه المدارس تستخدم الوانا داكنة وزخارف هندسية تعكس طبيعة البيئة المحلية. واضافت ان التطريز المغربي بخيوط الحرير على القطن يظل شاهدا على ابداع لا يعرف الحدود.
وشدد الخبراء على ان المعرض لا يكتفي بعرض قطع جميلة بل يحفظ ذاكرة اجتماعية وثقافية للاجيال القادمة. واوضحوا ان الغرز والخيوط تحولت في هذا المعرض الى لغة تتحدث عن التاريخ والجمال. واضافوا ان الهدف هو تعريف الاجيال الجديدة بقيمة هذا التراث واهمية الحفاظ عليه.
واختتم المعرض رسالته بالتأكيد على ان التطريز المغربي سيظل فنا متجددا. وكشفت النتائج ان الاقبال على هذه الاعمال يعكس وعيا متزايدا باهمية الصناعة التقليدية. واكدت ان هذه القطع ستبقى رمزا للرقي والذوق الرفيع الذي ميز البيوت المغربية عبر العصور.
