بقلم: عوني الرجوب – باحث وكاتب سياسي
في ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات وصراعات وتحديات أمنية وسياسية، يبقى الأردن بحاجة إلى أعلى درجات اليقظة والتماسك الوطني، والالتفاف حول قيادته الهاشمية ومؤسسات دولته. فأمن الأردن واستقراره ليسا مسؤولية جهة بعينها، بل مسؤولية وطنية مشتركة، تبدأ من القيادة ولا تنتهي عند المواطن.
لقد أثبت جلالة الملك عبد الله الثاني، في مواقفه السياسية والدبلوماسية، حرصه على حماية المصالح الوطنية الأردنية وصون سيادة الدولة واستقرارها، والدفاع عن القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. كما يواصل سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني الاهتمام بقضايا الشباب وتمكينهم وإشراكهم في مسيرة التحديث والبناء، انطلاقاً من إيمانه بأن الشباب هم طاقة الوطن ومستقبله.
وإننا، ونحن نؤكد وقوفنا خلف القيادة الهاشمية ومؤسسات الدولة، نؤكد كذلك اعتزازنا بالقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، والأجهزة الأمنية التي تحمل أمانة حماية الوطن والمواطن، وتقدم التضحيات في سبيل أمنه واستقراره.
لكن حماية الوطن لا تكون بالشعارات وحدها، ولا بالمواقف بعد وقوع الأحداث، وإنما بالتخطيط والاستعداد والوقاية ومعالجة مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات.
من حمود في الكرك إلى استشهاد العريف جواد السلايطة.. دروس لا يجوز تجاهلها
لقد أعادت الأحداث الأخيرة إلى الذاكرة الأردنية خطورة الإرهاب وما يمكن أن يتركه من آثار مأساوية على المجتمع.
فالهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك يوم 23 تشرين الأول، وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة 34 آخرين، شكّل جرحاً وطنياً أصاب الأردنيين جميعاً، بغض النظر عن الدين أو المنطقة أو الانتماء.
ثم جاء الاعتداء الإرهابي الذي وقع في شارع المدينة المنورة بالعاصمة عمّان يوم الخميس 5 تشرين الثاني، وأدى إلى استشهاد العريف جواد علي خلف السلايطة أثناء قيامه بواجبه الرسمي، وإصابة أحد ضباط الأمن العام خلال التدخل للسيطرة على المعتدي.
إن دماء الشهداء ليست مجرد أرقام في الأخبار؛ إنها تذكير دائم بأن حماية الوطن مسؤولية لا تقبل التهاون، وأن رجال الأمن الذين يحمون المواطنين يستحقون منا كل التقدير والوفاء.
ولا يمكن أن ننسى تفجيرات الفنادق في عمّان عام 2005، التي أودت بحياة عشرات الأبرياء وأصابت نحو مئتي شخص، وكانت من أقسى المحطات التي شهدها الأردن في مواجهة الإرهاب.
هذه الأحداث مجتمعة تفرض علينا أن نتعلم من الماضي، وأن نقرأ الحاضر بعين اليقظة، وأن نتحرك بعقلية الوقاية والاستعداد، لا بعقلية رد الفعل وحدها.
لا ننتظر وقوع الخطر.. بل نمنعه قبل أن يقع
وهنا لا بد من إطلاق تحذير وطني مسؤول: إن واجبنا لا يقتصر على إدانة العمليات الإرهابية بعد وقوعها، ولا على انتظار كارثة جديدة حتى نتحرك؛ بل يفرض علينا واجب الوقاية واليقظة والاستعداد المسبق، تحسباً لأي محاولات إرهابية قد تستهدف مؤسسات الدولة أو المرافق العامة أو أماكن التجمعات والمناسبات الاجتماعية، بما فيها الأفراح والأتراح.
إننا لا نتحدث عن معلومات تؤكد وجود مخطط أو تهديد محدد، وإنما عن احتمالات ومخاطر لا يجوز الاستهانة بها، وعن مسؤولية وطنية تقتضي تعزيز الإجراءات الوقائية، ورفع مستوى التنسيق بين الأجهزة المختصة، وتأمين المنشآت الحيوية والتجمعات العامة وفق تقييم مهني للمخاطر.
إن المطلوب أن تكون هناك مراجعة مستمرة لخطط الحماية والاستجابة، وأن تتوافر الجاهزية للتعامل مع أي طارئ، وأن يكون المواطن شريكاً واعياً في الوقاية، من خلال الإبلاغ عن أي أمر يثير الشبهة عبر القنوات الرسمية، بعيداً عن الشائعات والاتهامات العشوائية.
نريد أن نمنع الجريمة قبل وقوعها، لا أن ننتظر وقوعها حتى نبحث عن أسبابها. ونريد أن نحمي أرواح الأردنيين قبل أن ندفع ثمن التقصير، لا سمح الله.
شباب بلا عمل ولا مأوى.. من يحميهم من الاستغلال؟
وهنا نصل إلى جانب لا يقل أهمية عن المواجهة الأمنية، وهو الجانب الاجتماعي والاقتصادي الذي يجب أن يكون في صلب أي استراتيجية وطنية لمكافحة التطرف والإرهاب.
هناك شباب أردنيون لا يجدون فرصة عمل، ولا يملكون دخلاً ثابتاً، وبعضهم يفترش الأرض ويلتحف السماء، ولا يستطيع حتى تأمين أبسط احتياجاته اليومية. شباب لا عمل لديهم، ولا قدرة على استئجار مسكن، ولا إمكانية لتحمل تكاليف الزواج وتأسيس أسرة.
وبين هؤلاء خريجو جامعات وأصحاب شهادات وتخصصات ومؤهلات، أمضى بعضهم سنوات طويلة في انتظار فرصة عمل، حتى تجاوزوا الثلاثين والأربعين من أعمارهم، دون أن يجدوا باباً يفتح أمامهم.
هؤلاء ليسوا أرقاماً في جداول البطالة، بل مواطنون لهم كرامة وحقوق وآمال، ومن حقهم أن يجدوا فرصة عادلة ليعيشوا حياة كريمة، ويبنوا مستقبلهم، ويشاركوا في خدمة وطنهم.
وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن يشغل الحكومة وكل مؤسسات الدولة: كيف نحمي هؤلاء الشباب من محاولات الاستقطاب والتجنيد إذا لم نحْمِهم أولاً من البطالة واليأس والتهميش؟
إن الجماعات والعصابات الإرهابية لا تتردد في استغلال حاجة الشباب وإحباطهم وشعورهم بالظلم، وقد تستخدم المال والوعود الكاذبة والشعارات المضللة لاستقطاب بعضهم وتجنيدهم.
ونحن لا نقول إن الفقر أو البطالة يقودان حتماً إلى الإرهاب، ولا يمكن أن يكونا مبرراً لأي جريمة، لكننا نحذر من ترك الظروف الصعبة دون معالجة، لأن أصحاب الفكر المتطرف يبحثون دائماً عن الثغرات الاجتماعية والنفسية لاستغلالها.
مكافحة الإرهاب لا تبدأ فقط عندما يحمل الإرهابي سلاحه؛ بل تبدأ قبل ذلك، عندما نوفر للشاب فرصة عمل، ونحفظ كرامته، ونفتح أمامه باب الأمل، ونشعره بأن وطنه لا يتخلى عنه.
الواسطة والمحسوبية.. حين تضيع العدالة وتُغلق الأبواب
ومن أخطر ما يضعف ثقة الشباب بالدولة أن يشعر المواطن بأن الوظيفة لا يحصل عليها صاحب الكفاءة والاستحقاق، بل من يمتلك الواسطة والنفوذ.
ولنتصور أسرتين: في الأولى ستة شباب لا يعمل أي منهم، رغم مؤهلاتهم وقدراتهم، لأنهم لا يمتلكون واسطة تفتح لهم أبواب الوظيفة. وفي أسرة أخرى يعمل أبناؤها الستة في مواقع ومؤسسات مختلفة، لأن أبواب الفرص فُتحت أمامهم بفعل المحسوبية والعلاقات.
هذا المثال ليس اتهاماً لأسرة بعينها، بل صورة لاختلال تكافؤ الفرص عندما تصبح الواسطة طريقاً إلى الوظيفة بدلاً من الكفاءة والاستحقاق.
إن محاربة الواسطة والمحسوبية ليست مجرد إصلاح إداري، بل ضرورة وطنية لحماية الثقة بالدولة وصون الاستقرار المجتمعي.
فلا يجوز أن يشعر الشاب بأن مستقبله مرهون بمعرفة مسؤول، أو أن سنوات دراسته وتعبه لا قيمة لها أمام نفوذ الآخرين. العدالة في التعيين حق للمواطن، وواجب على مؤسسات الدولة.
لا نقبل أعذاراً بعدم توفر الشواغر.. توفير فرص العمل أولوية وطنية
لا ينبغي أن نقبل من الحكومات أن تتذرع بعدم توفر الشواغر أو محدودية فرص التعيين، وكأن البطالة قدر لا يمكن تغييره، أو أن توفير فرص العمل أمر ثانوي يمكن تأجيله.
إن توفير فرص العمل وفتح أبواب التشغيل أمام الشباب يجب أن يكون أولوية وطنية متقدمة، وعلى الحكومات أن تتحمل مسؤوليتها في التخطيط وإيجاد البدائل، وتوسيع المشاريع الاستثمارية والإنتاجية، وتحفيز القطاع الخاص، وفتح مجالات جديدة للتشغيل.
فأيّهما أولى: أن نتحمل مسؤولية توفير فرصة عمل لشاب أردني، أم أن ننتظر حتى تتفاقم الأزمات وتكون النتيجة إصابة مواطن بجراح أو تعريض حياته وحياة الآخرين للخطر؟
إن الوقاية تبدأ من حماية الإنسان وكرامته ومستقبله، وتوفير العمل الكريم له قبل أن تتراكم أسباب الإحباط والتهميش والاستغلال.
ولا بد من مراجعة الأعباء المعيشية والضرائب والأسعار، وتسهيل إقامة المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوفير التدريب المهني والتقني، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، حتى لا يبقى الشاب حبيس شهادة جامعية لا يجد بها فرصة مناسبة.
إن كلفة توفير فرص العمل أقل بكثير من كلفة معالجة الأزمات التي قد تنشأ عن ترك الشباب فريسة للبطالة واليأس.
خدمة العلم.. بناء للإنسان وتحصين للوطن
ومن هنا تبرز أهمية إعادة تفعيل خدمة العلم بصورة شاملة وموسعة، بحيث لا تقتصر على التدريب العسكري والانضباط، بل تشمل التأهيل الوطني والمهني، وتعزيز روح الانتماء والمسؤولية والعمل الجماعي، وإكساب الشباب مهارات تساعدهم في حياتهم العملية.
وأرى ضرورة دراسة تمديد مدة خدمة العلم إلى سنة على الأقل، بما يتيح تحقيق أهدافها الوطنية والتدريبية بصورة أكثر فاعلية.
كما أرى ضرورة دراسة اعتماد أداء خدمة العلم، بعد استكمالها وفق ضوابط واضحة، شرطاً أساسياً للتعيين في مؤسسات الدولة، مع مراعاة الحالات الصحية والإنسانية والاستثناءات التي يحددها القانون، وأن يطبق هذا المبدأ بعدالة على الجميع دون تمييز.
إن خدمة العلم ليست عقوبة للشباب، بل استثمار في الإنسان، وتعزيز للانضباط والانتماء، وفرصة لتأهيل جيل قادر على تحمل المسؤولية والمشاركة في حماية وطنه وبنائه.
الوقاية من التطرف مسؤولية وطنية مشتركة
لا يمكن أن نترك مسؤولية حماية الشباب من التطرف على عاتق الأجهزة الأمنية وحدها، رغم الدور المحوري الذي تقوم به. فالمواجهة الحقيقية تحتاج إلى عمل متكامل تشارك فيه الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات التربوية والثقافية والإعلامية ومؤسسات الدولة كافة.
نحتاج إلى خطاب وطني يعزز الاعتدال والانتماء، ويحصّن الشباب من الأفكار المتطرفة، ويفتح أمامهم مساحات المشاركة والحوار والعمل والإبداع.
كما نحتاج إلى مؤسسات تعليمية وتربوية تكتشف مبكراً مظاهر الانعزال والتطرف، وتتعامل معها بالحوار والتوعية والتوجيه، لا بالتجاهل أو الإقصاء.
إن الشاب الذي يجد من يسمعه، ويحترم قدراته، ويوفر له فرصة حقيقية، ويشعره بقيمته في المجتمع، يكون أكثر قدرة على مواجهة محاولات الاستغلال والتضليل.
ما المطلوب من الحكومة؟
إن المرحلة تتطلب خطة وطنية واضحة، لا تكتفي بالتصريحات، بل تترجم المسؤوليات إلى برامج ونتائج ملموسة، وفي مقدمتها:
1. وضع خطة وطنية عاجلة لتشغيل الشباب، وفق التخصصات والمؤهلات والكفاءة والاستحقاق.
2. محاربة الواسطة والمحسوبية، وضمان تكافؤ الفرص في التعيينات الحكومية.
3. توسيع المشاريع الاستثمارية والإنتاجية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة لتوفير فرص عمل حقيقية.
4. مراجعة الأعباء المعيشية والضرائب والأسعار بما يخفف الضغوط عن المواطنين.
5. إعادة تفعيل خدمة العلم وتطوير برامجها، ودراسة تمديدها إلى سنة على الأقل.
6. تعزيز الإجراءات الأمنية الوقائية لحماية مؤسسات الدولة والمرافق العامة وأماكن التجمعات والمناسبات الاجتماعية.
7. تطوير برامج التوعية الفكرية والتربوية والإعلامية لحماية الشباب من التطرف والاستقطاب.
8. توفير برامج تدريب وتأهيل مهني وتقني تتوافق مع احتياجات سوق العمل.
9. وضع آليات متابعة ومساءلة تضمن تنفيذ هذه البرامج، وعدم بقائها وعوداً مؤجلة.
إن هذه المطالب ليست ترفاً سياسياً أو شعارات إعلامية، بل جزء من مسؤولية الدولة في حماية مواطنيها، وتعزيز ثقتهم بمؤسساتها، وصيانة أمن المجتمع واستقراره.
أمن الأردن أمانة في أعناقنا جميعاً
إن الأردن يستحق منا أن نكون على قدر المسؤولية، وأن نضع أمنه واستقراره فوق كل اعتبار. والوقوف خلف القيادة الهاشمية ومؤسسات الدولة والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية لا يتعارض مع المطالبة بالإصلاح ومعالجة مواطن الخلل، بل إن النقد المسؤول والمطالبة بالعدالة وتوفير فرص العمل هي من صميم الحرص على الوطن.
نحن لا نريد أن ننتظر وقوع الخطر حتى نتحرك، ولا نريد أن نرى شبابنا أسرى البطالة واليأس، ولا أن نترك ثغرات اجتماعية واقتصادية قد يستغلها أصحاب الفكر المتطرف.
نريد دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في فرصها، حازمة في مواجهة الإرهاب، رحيمة بأبنائها، تفتح أبواب المستقبل أمام شبابها، وتحمي كرامة المواطن وحقه في الحياة والعمل والأمان.
أمن الأردن خط أحمر، وكرامة المواطن أمانة، ومستقبل الشباب مسؤولية لا تقبل التأجيل.
حفظ الله الأردن وطناً آمناً مستقراً، وحفظ جلالة الملك عبد الله الثاني وسمو ولي عهده الأمين، وحمى قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، ورحم شهداء الوطن، وشفى المصابين، وأدام على الأردن نعمة الأمن والأمان
