شهدت الاسواق المصرية في الاونة الاخيرة حالة من الترقب بعد التحسن الملحوظ في سعر صرف الجنيه امام الدولار، حيث يطرح المواطنون تساؤلات مشروعة حول جدوى هذا التعافي في خفض تكاليف السلع الاساسية والمنتجات الغذائية التي قفزت لمستويات قياسية. ورغم استعادة العملة المحلية جزءا من قيمتها في الايام الماضية، الا ان التوقعات بانخفاض الاسعار لا تزال تصطدم بواقع معقد يفرضه التجار واليات السوق التي لا تستجيب بنفس سرعة صعود العملة الاجنبية.
واوضحت التحليلات الاقتصادية ان العلاقة بين سعر الصرف واسعار المستهلك ليست خطية او مباشرة كما يعتقد البعض، اذ تتحكم في عملية التسعير عوامل متعددة تتجاوز مجرد تغيرات الشاشة اليومية. واكد خبراء ان السوق المصري يعاني من حالة من التوجس، حيث يفضل التجار الحفاظ على مستويات سعرية مرتفعة كنوع من التحوط ضد تقلبات العملة المستمرة، وهو ما يفسر استمرار الغلاء رغم التراجعات الطفيفة في سعر الدولار.
وبينت الارقام ان الجنيه استطاع مؤخرا التقاط انفاسه بعد قرارات نقدية اتخذها البنك المركزي لرفع اسعار الفائدة، مما ادى الى تراجع حدة الطلب على الدولار في السوق الموازي. ومع ذلك، لا تزال السلع التي دخلت المخازن بتكلفة استيرادية مرتفعة تباع بذات الاسعار السابقة، مما يضع المستهلك في مواجهة مباشرة مع موجة تضخمية لا تزال تفرض ظلالها على القوة الشرائية للاسر المصرية.
تحديات دورة راس المال وعقلية التسعير
واضاف محللون ان دورة راس المال في العديد من السلع الاستراتيجية قد تمتد لثلاثة اشهر، مما يعني ان التجار لا يمكنهم خفض الاسعار بشكل فوري ما لم يضمنوا استقرار سعر الصرف لفترة زمنية طويلة. وكشفت الممارسات التجارية ان التسعير غالبا ما يتم بناء على اسعار العقود الاجلة او توقعات اعلى سعر وصل اليه الدولار، وذلك لضمان استمرار تدفقات السيولة وتجنب الخسائر المفاجئة عند اعادة استيراد المنتجات من جديد.
وذكر مختصون ان هناك قاعدة اقتصادية غير مكتوبة في الاسواق المحلية مفادها ان الاسعار ترتفع كالسهم وتهبط كالريشة، في اشارة الى بطء استجابة التجار للانخفاض مقابل سرعة استجابتهم لاي صعود في سعر العملة. واكدوا ان التجار يسعون دائما لتامين هوامش ربحهم من خلال تسعير السلع بناء على تكلفة الاحلال لا تكلفة الشراء، مما يجعل من الصعب رؤية انخفاض ملموس في وقت قصير.
واشار خبراء الى ان التضخم لا يزال يمثل تحديا هيكليا يتطلب اكثر من مجرد تحسن طفيف في سعر الصرف، بل يحتاج الى زيادة في الانتاج المحلي وتقليص الفجوة بين الاحتياجات الدولارية والقدرات التصديرية. واوضحوا ان التوقعات المستقبلية تلعب دورا محوريا في قرارات التسعير، حيث يظل التاجر متخوفا من تكرار دورات انخفاض الجنيه التي شهدتها السنوات الماضية، مما يدفعه للتمسك باسعار مرتفعة كدرع واق لمشروعه.
مستقبل الاسعار بين التحوط والواقع الاقتصادي
وبينت التقارير ان الحكومة تحاول جاهدة ضبط الاسواق وترشيد الانفاق لتقليل الضغوط على العملة المحلية، الا ان الامر يتطلب وقتا حتى تترجم هذه الجهود الى انخفاض حقيقي في تكاليف المعيشة. وشدد مراقبون على ان استقرار الاسعار مرهون بمدى استدامة تدفقات النقد الاجنبي وتوازن العرض والطلب، فبدون توفر سيولة مستقرة لن يجرؤ التجار على خفض اسعارهم خوفا من صدمات جديدة.
واكدت البيانات الحكومية وجود تراجع طفيف في معدلات التضخم السنوي، الا ان هذا التراجع لم يلمسه المواطن بعد في اسعار السلع النهائية كالسيارات والاجهزة الكهربائية ومواد البناء. واضافوا ان مرحلة التعافي تتطلب صبرا وادوات رقابية اكثر فاعلية لضمان عدم استغلال التجار لحالة عدم اليقين، مع ضرورة تعزيز الانتاج المحلي لتقليل الاعتماد على الاستيراد الذي يظل المحرك الرئيسي لرفع الاسعار.
واشار خبراء في ختام رؤيتهم الى ان السوق في نهاية المطاف سيخضع لمنطق التنافسية، فكلما استقر سعر الصرف لفترة اطول، زادت فرص المستهلك في الحصول على اسعار عادلة. واكدوا ان الرشادة في التسعير ستعود تدريجيا مع تلاشي المخاوف من الارتدادات الحادة، مما يمهد الطريق لاستقرار الاسواق وتخفيف العبء عن كاهل المواطنين الذين ينتظرون انعكاس التحسن الاقتصادي على حياتهم اليومية.
