هناك مشاهد لا تنتهي بانتهاء لحظتها، وصور تبقى عالقة في الذاكرة مهما مرّ عليها الزمن، وهناك نظرات تختصر من الألم ما تعجز الكلمات عن وصفه.

فمذ أن شاهدت دمعة أم الشهيد جواد، وتلك النظرة في عيني والده، وأنا أستعيد ذلك المشهد، فلم تكن نظرة عابرة، بل كانت وجع أب فقد ابنه، وأم فقدت قطعة من قلبها، وعائلة كانت تنتظر عودة شاب خرج لأداء واجبه ولم يعد، ووطن يسهر على الثغور ويحمي الحدود ويسهر على راحة المواطن وأمنه.

لم أستطع تجاوز تلك النظرة التي بقيت حاضرة في ذاكرتي، وأعادتني إلى حقيقة كثيرًا ما نغفل عنها وسط الأخبار والتفاصيل، أن وراء كل شهيد حكاية إنسان، وأحلامًا لم تكتمل، وعائلة كانت تنتظر عودته.

جواد لم يكن رقمًا في خبر، ولا اسمًا عابرًا في نشرة إخبارية، كان شابًا أردنيًا يحمل أحلامًا بسيطة، ويتطلع إلى حياة ومستقبل يحقق فيهما ما يتمناه. كان له أب وأم وأهل وأصدقاء وزملاء ووطن، وكان أمامه الكثير من الأيام التي لم يمهله الغدر ليعيشها. امتدت إليه يد الغدر بيد شخص يحمل فكرًا عبثيًا همجيًا إجراميًا وإرهابيًا، تخبطه الشيطان من المسّ وتلبّسه الجن في لحظة انعدام الإحساس بالحياة وقيمتها وحرمة إزهاقها التي صانها الخالق سبحانه وتعالى، فلم يعِ قيمة الحياة ولا حرمة الدم.

رحل شابًا، لكنه ترك وراءه عائلة موجوعة، وزملاء فقدوا رفيقًا، ووطنًا فقد واحدًا من أبنائه. وما زاد المشهد وجعًا تلك الوجوه التي رأيتها بين زملائه من رجال الأمن. تأملت نظراتهم وشعرت بحجم الحزن الذي يعيشونه، فلم تكن المسألة بالنسبة إليهم مجرد فقدان زميل، بل غياب شخص اعتادوا أن يروه بينهم، يشاركهم العمل وتفاصيل الأيام ويقف إلى جانبهم في أداء الواجب. وفي تلك اللحظة فكرت كثيرًا برجال الأمن الذين كانوا يقفون هناك، فهم أيضًا أبناء هذا الوطن، ولهم أمهات ينتظرن عودتهم، وآباء يقلقون عليهم، وعائلات تتمنى أن يعودوا سالمين في نهاية كل يوم. لهم أحلامهم وحياتهم وأهلهم، لكنهم يؤدون واجبهم ويتحملون مسؤوليات كبيرة في سبيل أن يبقى الوطن ومواطنوه وساكنوه آمنين.

وربما أكثر ما يجعل مشهد استشهاد جواد مؤلمًا أن الإنسان حين يشاهد هذه الوجوه يتذكر أن رجال الأمن ليسوا بعيدين عن حياتنا، فهم أبناؤنا وإخوتنا وأصدقاؤنا، نلتقي بهم كل يوم ونطمئن لوجودهم، وقد لا نفكر كثيرًا في حجم المخاطر التي يواجهونها أثناء تأدية عملهم. أما الأردن فقد واجه على امتداد تاريخه الكثير من التحديات، وبقي أبناؤه متمسكين بوطنهم، ولم تكن محاولات الإرهاب قادرة على كسر إرادتهم أو زرع الخوف أو إثارة الفتنة والقلاقل فيما بينهم، ومن يعتقد أن الفكر التكفيري قادر على إخافة الأردنيين أو النيل من أمن بلدهم لا يعرف طبيعة هذا المجتمع ولا حجم ارتباط أبنائه بوطنهم.

نختلف في آرائنا ونتباين في وجهات نظرنا، لكن أمن الأردن وسلامة أبنائه يجب أن يبقيا فوق كل اعتبار، فلا مكان للفكر الذي يبرر القتل، ولا عذر لمن يعتدي على حياة الناس باسم أفكار لا تمت للدين ولا للإنسانية بصلة. ومع كل هذا الحديث عن قوة الأردن، لا ينبغي أن ننسى أن وراء كل شهيد عائلة تدفع ثمنًا لا يمكن تعويضه، لذلك لا نريد أن تتحول قصة جواد إلى خبر نقرأه ثم ننتقل إلى خبر آخر، ولا أن تصبح دمعة أمه مشهدًا عابرًا ننساه بعد أيام. هناك عائلة ستعيش هذا الغياب كل يوم، وأب سيظل يتذكر ابنه، وأم سيبقى مكانه في قلبها لا يشبهه أحد.

إلى أم جواد، لا أملك كلمات تعيد إليك ابنك، ولا أستطيع أن أصف حجم الفقد الذي تعيشينه.

وإلى والده، ستبقى تلك النظرة التي رأيتها في عينيك حاضرة في ذاكرتي، لأنها كانت أصدق من كل الكلمات وأبلغ من كل عبارات العزاء.

وإلى زملاء جواد، أعرف أن غيابه لن يكون أمرًا سهلًا، وأن مكانه بينكم سيبقى حاضرًا في الذاكرة وفي تفاصيل العمل والأيام التي جمعتكم.

سلام عليك يا جواد، سلام على أحلامك التي لم تكتمل، وعلى أمك التي ستظل تحمل اسمك في قلبها، وعلى أبيك الذي تركت في عينيه حكاية لا تُنسى، وعلى زملائك الذين فقدوا رفيقًا لهم، وسلام على الوطن الذي سيبقى صامدًا في وجه التحديات، عصيًا على كل المتآمرين والحاقدين والمتربصين به.

رحلت يا جواد، لكن قصتك لن تكون مجرد خبر عابر، ستبقى حكاية شاب أردني خرج ليؤدي واجبه ولم يعد إلى بيته، وستبقى تلك الدمعة وتلك النظرة تذكيرًا لنا بأن خلف كل تضحية إنسانًا وعائلة وقلوبًا تنتظر.

رحم الله الشهيد جواد، وألهم أهله الصبر والسلوان، وحفظ رجال الأمن، وحمى الله الأردن وأهله وقيادته من كل سوء.