يسابق لبنان الزمن في تحرك دبلوماسي مكثف لتجنب الوقوع في فراغ امني خطير مع اقتراب موعد انتهاء ولاية قوات الامم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان المعروفة باسم اليونيفيل. وتبرز المخاوف من ان يؤدي هذا الانسحاب الى فقدان آلية التوثيق الدولية للاعتداءات التي تشنها اسرائيل على الاراضي اللبنانية، مما يترك القرى الجنوبية وتحديدا المسيحية منها في قضاء بنت جبيل تحت رحمة الاجراءات الاسرائيلية المباشرة ودون اي غطاء دولي يحمي المدنيين.

واوضحت بعثة اليونيفيل في بيان رسمي ان ولايتها تنتهي رسميا في نهاية العام الجاري وفقا لقرار مجلس الامن، مؤكدة ان البعثة ستبدا بعد هذا التاريخ عمليات خفض عديدها تمهيدا للانسحاب الكامل من المنطقة. واشارت مصادر دبلوماسية الى ان عملية الانسحاب لن تكون مفاجئة بل ستتم بشكل تدريجي وعلى مراحل زمنية مدروسة لتجنب حدوث انهيار امني مفاجئ في القطاعات الغربية والاوسط والشرقي.

وكشفت تقارير ميدانية ان الجيش اللبناني اضطر للانسحاب من عشرات النقاط في قطاع جنوب الليطاني خلال الاشهر الماضية نتيجة التوغل الاسرائيلي، مما جعل اليونيفيل الشاهد الوحيد المتبقي على الاحداث في تلك المناطق. واظهرت التقديرات ان غياب هذه القوات سيعني عمليا تلاشي النقاط الحدودية التي ثبتت منذ عام 2000، وهو ما يفتح الباب امام اسرائيل لتكريس واقع جديد على الارض وتجاهل الخطوط الدولية المتفق عليها.

مخاطر الفراغ الامني وتداعيات غياب الشاهد الدولي

وبينت مصادر امنية ان الخطر الاكبر لا يقتصر على الجانب العسكري بل يمتد ليشمل فقدان الرواية الدولية الموثقة التي كانت تعتمد عليها الامم المتحدة لتسجيل انتهاكات الاحتلال. واكدت المصادر ان اليونيفيل لعبت دور الداعم للمؤسسات الشرعية اللبنانية طوال العقدين الماضيين، وان رحيلها دون بديل يعني ترك لبنان وحيدا في مواجهة الضغوط الاسرائيلية دون اي وسيط او شاهد دولي يمكن الركون اليه في المحافل الاممية.

واضافت المصادر ان القرى المسيحية في بنت جبيل ستكون الاكثر تضررا من هذا الفراغ، حيث كان ابناؤها يتنقلون بمواكبة من القوات الدولية نحو المناطق الامنة شمال الليطاني. وشددت على ان اسرائيل رفضت كافة المقترحات اللبنانية لفتح ممرات امنة لهؤلاء السكان، مما يضعهم امام خيارات صعبة جدا في حال غادرت القوات الدولية مواقعها دون تامين حماية بديلة للمدنيين الصامدين.

واشار مراقبون الى ان المسار الدبلوماسي الحالي يشهد تعقيدات كبيرة بعد توقف المفاوضات الثلاثية والخماسية التي كانت ترعاها اطراف دولية في الناقورة. واكدت السلطات اللبنانية على لسان مسؤولين كبار ان التمسك بالقرار 1701 يظل الخيار الوحيد لضمان استعادة السيادة، مطالبة المجتمع الدولي بالبحث عن صيغة بديلة تضمن الاستقرار وتمنع الانزلاق نحو مواجهات مباشرة.

مستقبل التواجد الاممي على الحدود اللبنانية

وذكرت اليونيفيل ان جنودها من 45 دولة يواصلون مهامهم اليومية في مراقبة التطورات ورصد الخروقات وتقديم الدعم للجيش اللبناني حتى اللحظات الاخيرة من ولايتهم. واوضحت ان الكرة الان في ملعب مجلس الامن الدولي الذي يدرس الخيارات المتاحة للمرحلة المقبلة، بما في ذلك امكانية تفعيل اليات رصد جديدة على طول الخط الازرق لضمان عدم حدوث فراغ امني شامل.

واكدت الجهود الدبلوماسية اللبنانية المستمرة ان الدولة لن تتوانى عن المطالبة باي قوة دولية قادرة على حفظ الامن، معربة عن قلقها من ان يؤدي انسحاب اليونيفيل الى تشجيع اسرائيل على احتلال المواقع التي كانت تشغلها القوات الدولية. وشدد الجانب اللبناني على ان الحفاظ على المظلة الدولية هو السبيل الوحيد لمنع انفراد اسرائيل بالحدود الجنوبية وتحويلها الى منطقة نفوذ مطلقة.

وختمت المصادر بان المرحلة المقبلة تتطلب تحركا دوليا سريعا وفعالا لملء الفراغ الذي قد يتركه رحيل القوات الدولية، مشيرة الى ان استقرار الجنوب اللبناني يرتبط ارتباطا وثيقا بقدرة الامم المتحدة على الاستمرار في اداء دورها كضامن للهدوء ومنع الانتهاكات المستمرة للسيادة اللبنانية.