شهدت الساحة الطبية في قطر تحولا نوعيا ومفصليا مع اعلان مركز سدرة للطب عن ادخال تقنية علاجية جينية تعد الاولى من نوعها على مستوى الدولة. يهدف هذا الابتكار الطبي المتطور الى تقديم حلول جذرية لمرضى فقر الدم المنجلي والثلاسيميا المعروفة باسم انيميا البحر المتوسط. عبر استهداف الخلل الوراثي في جذوره بدلا من الاكتفاء بالاساليب التقليدية التي كانت ترتكز طوال العقود الماضية على نقل الدم الدوري او زراعة نخاع العظم.
واوضحت المؤسسة الطبية ان العلاج الجديد يعتمد على تقنية كريسبر لتحرير الجينات وهي احدى اكثر الادوات العلمية دقة في العالم والحائزة على جائزة نوبل. وبينت ان هذا الاجراء الطبي يمثل نقلة من مرحلة ادارة المرض والتعايش مع اعراضه المزمنة الى مرحلة اعادة برمجة الجسم وتصحيح الشيفرة الوراثية المعطوبة. واكدت ان هذه الخطوة تضع قطر في مصاف الدول القليلة عالميا التي توفر هذا العلاج الثوري للمرضى.
واضافت المصادر الطبية ان العلاج يحمل اسم كاسجيفي وهو من انتاج شركة فيرتكس الامريكية المتخصصة في الصناعات الدوائية. واشارت الى ان المركز حصل على الاعتماد الرسمي لتقديم هذا العلاج الذي يعطى للمريض لمرة واحدة فقط. وشددت على ان هذا التطور يعكس حجم الثقة الدولية في البنية التحتية الطبية المتطورة التي تمتلكها قطر وقدرتها على استيعاب تقنيات الطب الدقيق.
تحول جذري في جودة حياة المرضى
وكشف المدير الطبي لسدرة للطب البروفيسور ابراهيم الجناحي ان هذا العلاج اصبح متاحا الان للمرضى الذين تبلغ اعمارهم اثني عشر عاما فما فوق. واوضح ان النتائج الاولية المسجلة عالميا لهذه التقنية مبشرة للغاية اذ تمكن مرضى الثلاسيميا من الاستغناء التام عن عمليات نقل الدم. بينما سجل مرضى فقر الدم المنجلي تراجعا كبيرا في نوبات الالم الحادة والمضاعفات الخطيرة مثل السكتات الدماغية.
وبين الجناحي ان الثلاسيميا وفقر الدم المنجلي هما اضطرابان وراثيان يؤثران بشكل مباشر على الهيموجلوبين في خلايا الدم الحمراء. واشار الى ان هذه الامراض تسبب للمصابين بها شحوبا وتعبا مزمنا يتطلب رعاية مستمرة. واكد ان اختيار سدرة للطب كمركز اقليمي معتمد لتقديم هذه الخدمة يعزز من مكانة الدولة كوجهة رائدة للابتكار الطبي في المنطقة.
واضاف ان التكلفة العالية للعلاج لا تمثل عائقا امام تقديم افضل مستويات الرعاية للمرضى المقيمين في قطر. وذكر ان هناك ما يقارب مائتي طفل يعانون من هذه الامراض يتلقون حاليا رعاية شاملة داخل المركز. وشدد على ان الفريق الطبي يحرص على تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للعائلات بالتوازي مع الرحلة العلاجية التقنية.
رحلة العلاج الجيني الدقيقة
واوضح الجناحي ان مراحل العلاج تمر بسلسلة من الخطوات العلمية المعقدة التي تبدأ بجمع الخلايا الجذعية من المريض. وبين ان هذه الخلايا يتم ارسالها الى مختبرات متقدمة في اوروبا لتحرير الجينات في عملية تستغرق عدة اشهر. واكد ان العملية تتطلب تحضيرا دقيقا يشمل العلاج الكيماوي قبل اعادة حقن الخلايا المعدلة في جسم المريض لمتابعة نتائج التعافي.
وكشف مدير الابحاث في سدرة للطب البروفيسور خالد فخرو ان الفارق الجوهري يكمن في تصحيح الجين المعطوب بدلا من مجرد اضافة جين سليم. واوضح ان هذه التقنية تفتح افاقا واسعة لعلاج طيف كبير من الامراض الوراثية الاخرى. واشار الى ان الفريق الطبي باشر بالفعل في اجراءات علاج اول حالة وفق بروتوكول طبي دقيق ومكثف.
وذكر فخرو ان التحديات التقنية والتكاليف المرتفعة تظل سمة اساسية للعلاجات الجينية في الوقت الراهن. وتوقع ان تشهد السنوات المقبلة انخفاضا في هذه التكاليف مع انتشار التكنولوجيا وزيادة عدد المراكز الطبية المؤهلة عالميا. واكد ان هذا الانجاز يمثل بداية لعصر جديد في الطب يهدف الى الشفاء الكامل بدلا من مجرد تخفيف الاعراض.
خريطة الامراض الوراثية وتحديات المستقبل
وبين فخرو ان هذه العلاجات تعد ضرورة صحية ملحة في ظل انتشار امراض الدم الوراثية في منطقة الخليج وافريقيا. واشار الى ان توفر هذه الخدمة في قطر سيجذب الكثير من المرضى الباحثين عن امل حقيقي للشفاء. واكد ان التجهيزات التقنية المتقدمة هي التي تمنح سدرة للطب القدرة على ادارة مثل هذه الحالات المعقدة بنجاح.
واضاف ان التأثير العلمي لهذا الانجاز يمتد ليشمل امراضا مكتسبة اخرى في المستقبل. واكد ان الهدف الاسمى من هذه الابحاث هو الوصول الى مرحلة اعادة برمجة الجينات بشكل كامل. وشدد على ان قطر تواصل استثماراتها في الطب الدقيق لضمان مستقبل صحي افضل للاجيال القادمة.
واوضح في ختام حديثه ان النجاح في علاج حالات فقر الدم المنجلي يمثل حجر الزاوية في استراتيجية المركز الطبية. واشار الى ان المتابعة الدقيقة للمرضى تضمن تحقيق افضل النتائج العلاجية المرجوة. واكد ان الطب الحديث لم يعد يقف عاجزا امام الامراض التي كانت تصنف سابقا على انها امراض مزمنة لا شفاء منها.
