يظن كثيرون ممن نجحوا في التخلص من الوزن الزائد انهم اصبحوا في مأمن تام من الامراض المرتبطة بالسمنة مثل السكري وضغط الدم، الا ان دراسة علمية حديثة كشفت عن حقيقة صادمة تتمثل في احتفاظ الجسم بما يسمى ذاكرة السمنة، وهو ما يفسر بقاء المخاطر الصحية قائمة حتى بعد الوصول الى الوزن المثالي. واظهرت النتائج ان هذه الذاكرة تستقر داخل الخلايا المناعية وتستمر لفترة تصل الى عشر سنوات، مما يفسر استمرار القابلية للاصابة بالاضطرابات الصحية رغم نحافة الجسم.

واوضحت الدراسة التي قادها فريق بحثي اوروبي ان هذه الظاهرة تعود الى تغيرات في الخلايا التائية المساعدة التي تحتفظ بسجل طويل الامد لحالة السمنة السابقة، وبين الباحثون ان هذه الخلايا لا تنسى بسهولة التحديات التي واجهتها خلال فترات زيادة الوزن، مما يجعل الجهاز المناعي في حالة تأهب التهابي مستمر.

واكد الخبراء ان هذا الخلل المناعي لا ينتهي بمجرد انخفاض مؤشر كتلة الجسم، بل يحتاج الى وقت طويل حتى تتمكن الخلايا من استعادة وظائفها الطبيعية بالكامل بعيدا عن تأثيرات الذاكرة الخلوية السلبية.

كيف تؤثر السمنة على الجهاز المناعي؟

وبينت الابحاث ان التأثيرات المناعية تبدأ من الانسجة الدهنية في منطقة البطن حيث يؤدي تراكم الدهون الى اعادة تشكيل الخلايا المناعية وتغيير طبيعتها، واشارت النتائج الى ان الخلايا تتحول الى انواع التهابية تساهم في تعزيز الالتهابات المزمنة بالجسم، وتلعب عملية مثيلة الحمض النووي دورا جوهريا في هذه التغيرات التي تؤثر على شيخوخة الجهاز المناعي.

واضافت النتائج ان اضطراب وظائف الجهاز المناعي يشمل ايضا صعوبة التخلص من الفضلات الخلوية، وهو ما يفسر بقاء الاشخاص الذين فقدوا الوزن عرضة للمخاطر الصحية لفترة زمنية طويلة، واظهرت الملاحظات ان هذه التعديلات الجينية تترك بصمة دائمة في السجل الجزيئي للجسم.

وكشفت الدراسة ان هذه الآليات المعقدة ترتبط بعمليات حيوية داخل الخلايا، حيث يرى فريق البحث ان فهم هذه التفاعلات يفتح الباب امام تطوير استراتيجيات علاجية جديدة تساعد في محو ذاكرة السمنة وتسريع استعادة الصحة المناعية.

تأثيرات طويلة الأمد ومستقبل العلاج

وبينت الدراسة ان تأثير السمنة يمتد ليشمل عملية الالتهام الذاتي التي تنظف الخلايا من الفضلات، واشار الباحثون الى امكانية استخدام بعض ادوية السكري المعروفة بمثبطات اس جي ال تي 2 كحل واعد لتقليل الالتهابات، واكد البروفيسور كلاوديو ماورو ان هذه الادوية قد تلعب دورا في مساعدة الجسم على التخلص من آثار السمنة المتبقية.

واضاف الفريق ان النتائج تشير الى ان فقدان الوزن السريع لا يقلل بالضرورة من مخاطر الاصابة بالسرطان او السكري في المدى القصير، وشدد العلماء على ضرورة اجراء المزيد من الابحاث لفهم كيفية عكس هذه التأثيرات بشكل كامل ومستدام.

واوضحت الدكتورة بيليندا نيدجاي ان الجهاز المناعي يحتفظ بسجل جزيئي يحدد السلوك الاستجابي للجسم تجاه الامراض، مشيرة الى ان هذه الذاكرة تمثل تحديا حقيقيا للطب الحديث في التعامل مع مضاعفات السمنة حتى بعد العلاج.

هل يمكن التخلص من ذاكرة السمنة؟

واكدت الدراسات ان الاستمرار على وزن صحي لفترة طويلة قد يساعد تدريجيا في تلاشي هذه الذاكرة الخلوية، وبينت النتائج ان الحاجة الى المتابعة المستمرة تظل ضرورية لسنوات بعد فقدان الوزن، وشددت الابحاث على ان التغيير الجذري في نمط الحياة هو السبيل الوحيد لضمان عدم عودة الخلايا المناعية الى مساراتها الالتهابية.

واضافت اميرة حبيب اخصائية التغذية ان رحلة انقاص الوزن يجب ان تتسم بالامان للحفاظ على الكتلة العضلية، واوضحت ان نسبة كبيرة من الاشخاص يستعيدون الوزن المفقود بسبب هذه التغيرات البيولوجية والمناعية التي تفرضها الذاكرة الخلوية.

وختمت الخبيرة بالتأكيد على ان التوعية بالوقاية المبكرة منذ الطفولة تعد مفتاحا اساسيا للحد من هذه الظاهرة، مشددة على ضرورة دعم الاشخاص الذين خضعوا لحميات قاسية لتجنب الوصم الاجتماعي وتوفير الدعم الصحي اللازم لضمان استقرار حالتهم البدنية.