تتجلى في المشهد السياسي المعقد علاقة ايران بالفصائل الفلسطينية كمسار طويل من الشد والجذب الذي بدأ منذ بدايات الثورة الايرانية عام 1979 حينما كان ياسر عرفات اول الزعماء الواصلين الى طهران. كشف مراقبون ان عرفات اكتشف مبكرا ان الدعم الايراني لم يكن موجها لخدمة القضية الفلسطينية بقدر ما كان مشروطا باجندات سياسية وايديولوجية جعلت من شهر العسل بين الجانبين رحلة قصيرة انتهت بقطيعة عميقة. واظهرت الشهادات ان الخميني طلب من عرفات تغيير هوية الثورة الفلسطينية لتصبح اسلامية وهو ما رفضه الاخير متمسكا بوطنية قضيته وشموليتها لكل اطياف الشعب الفلسطيني.

محطات الصدام بين طهران والقيادة الفلسطينية

وبينت الاحداث اللاحقة ان العلاقة دخلت نفقا مظلما مع اندلاع الحرب العراقية الايرانية حيث ضغطت طهران على عرفات لاتخاذ موقف معاد لصدام حسين وهو ما قوبل بالرفض. واضاف المطلعون ان ايران عمدت منذ ذلك الحين الى سياسة اضعاف منظمة التحرير عبر دعم فصائل معارضة وتغذية الانقسامات الداخلية الفلسطينية بدلا من توحيد الصفوف لمواجهة الاحتلال. وشدد محللون على ان طهران لم تكتف بالدعم السياسي للفصائل المنشقة بل ساهمت في احتضان كيانات عسكرية وانشقاقات تنظيمية اضعفت التماسك الوطني الفلسطيني على مدار عقود طويلة.

استراتيجية التوغل الايراني داخل غزة

واكدت التطورات ان ايران وجدت في حركتي حماس والجهاد الاسلامي ادوات فعالة للتوغل في الساحة الفلسطينية خاصة بعد سيطرة حماس على قطاع غزة. واوضحت التقارير ان طهران قدمت دعما ماليا وعسكريا سخيا شمل تدريبات وتطويرا للقدرات الصاروخية بهدف خلق محور موال لها في المنطقة. واضاف المصدر ان هذا الدعم لم يكن مجانيا بل جاء في سياق تعزيز نفوذ ايران كقوة اقليمية قادرة على تحريك الملف الفلسطيني بما يخدم مصالحها الاستراتيجية في صراعها مع خصومها.

انعطافة الازمة السورية وتداعياتها

وكشفت الازمة السورية عام 2011 عن حجم التباين في المصالح بين طهران وحماس خاصة بعد خروج الحركة من دمشق ورفضها دعم نظام الاسد. واوضح خبراء ان ايران ردت على هذا الموقف بتقليص الدعم المالي بشكل حاد مما خلق فجوة كبيرة في العلاقات واثار انتقادات داخلية للحركة حول جدوى الاعتماد على المحور الايراني. واضاف ان قادة الحركة وجدوا انفسهم امام ضغوط متزايدة لمحاولة موازنة علاقاتهم وسط اتهامات مستمرة بكونهم ضحايا لدهاء سياسي ايراني لا يقدم دعما حقيقيا دون مقابل.

مرحلة ما بعد السابع من اكتوبر

وبينت الاحداث الاخيرة ان حسابات وحدة الساحات التي روجت لها ايران لم تترجم الى واقع ملموس خلال الصراع الذي فجره هجوم السابع من اكتوبر. واكدت الوقائع ان طهران اختارت الحياد العملي رغم الخطاب الاعلامي الداعم مما وضع الفصائل الفلسطينية في مواجهة مصيرية وحيدة. واضاف المحللون ان السلطة الفلسطينية استغلت هذه المرحلة لتعزيز موقفها ضمن المحور العربي المعتدل معلنة بوضوح قطع اي رهانات على الدور الايراني الذي اثبتت التجارب انه يضحي بالدم الفلسطيني في سبيل اجندات اقليمية خاصة.