يشهد المشهد السياسي في الصومال حالة من التوتر المتصاعد مع تعثر جهود الحوار الوطني وتصاعد حدة الاحتجاجات في العاصمة مقديشو. وتأتي هذه التطورات في وقت تصر فيه الحكومة الفيدرالية على المضي قدما في الانتخابات المباشرة للمجالس المحلية والمديريات، وهو نهج ترفضه قوى المعارضة وتعتبره وسيلة لفرض امر واقع سياسي جديد يخدم السلطة الحالية.

وكشف الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود عن توجه 13 مديرية نحو صناديق الاقتراع لاختيار مجالسها، مؤكدا ان المواطنين شاركوا بكثافة في هذا الاستحقاق الانتخابي. واضاف الرئيس في خطاب موجه للشعب ان بعض الاطراف السياسية تحاول استغلال التظاهرات لجر البلاد نحو الفوضى، داعيا الطامحين في قيادة الدولة الى تقديم رؤى سياسية بديلة بدلا من اثارة العواطف الشعبية في مرحلة تتطلب التكاتف الوطني.

واوضح الرئيس الصومالي ان دعوات الحوار التي اطلقتها الحكومة كانت تهدف الى مناقشة القضايا المصيرية بروح المسؤولية، مشيرا الى ان رفض المعارضة للمشاركة يعطل المساعي الرامية لترتيب البيت الداخلي. وبين ان الحكومة ماضية في مسار الاصلاح السياسي الرامي لإنهاء نظام المحاصصة القبلية والتحول نحو نظام انتخابي مباشر يعزز من سيادة القانون ومشاركة المواطنين.

اختبار سياسي ودستوري حاسم

واظهرت التحليلات السياسية ان الساحة الصومالية تمر بمرحلة مفصلية تتسم بالتعقيد، حيث يرى مراقبون ان الخلافات تجاوزت مجرد التنافس الانتخابي لتصل الى جوهر النظام السياسي وشكل الدولة. واكد خبراء في الشأن الافريقي ان التعديلات الدستورية الاخيرة التي مددت الولاية الرئاسية والبرلمانية فجرت ازمة ثقة عميقة بين الحكومة والولايات الاقليمية ومعارضي الداخل.

واشار المختصون الى ان جوهر الازمة يكمن في التباين حول حدود صلاحيات الحكومة المركزية ومستقبل الفيدرالية في البلاد، حيث تعتبر المعارضة ان تمديد الولاية يمثل تجاوزا للتوافق الوطني. واضافوا ان الحكومة ترى في هذه التعديلات ضرورة مرحلية لانهاء الارث القبلي، بينما تتهمها المعارضة باستخدام شعارات التحول الديمقراطي كغطاء لتثبيت اركان السلطة.

وتابع الخبراء ان المعارضة باتت تنظر الى دعوات الحوار الحكومية كأداة لكسب الوقت وامتصاص الضغوط، في حين تتهم السلطات خصومها بمحاولة عرقلة مسار التنمية والاستقرار. وشدد المراقبون على ان هذا الجمود السياسي يضع الدولة الصومالية امام اختبار مصيري قد يحدد مسارها السياسي لسنوات طويلة قادمة.

سيناريوهات مستقبل الصومال

وبينت التطورات الميدانية ان الخيارات المتاحة امام الفرقاء الصوماليين تضيق يوما بعد يوم، مما يفتح الباب امام احتمالات متعددة تتراوح بين التسوية السياسية الهشة او استمرار حالة الجمود التي قد تشل مؤسسات الدولة. واكدت التقارير ان السيناريو الاخطر يتمثل في انزلاق الخلافات نحو مواجهات امنية تهدد ما تحقق من استقرار.

واضافت المصادر ان المجتمع الدولي والشركاء الاقليميين يكثفون اتصالاتهم للدفع نحو حوار شامل يجنب البلاد الانزلاق الى الفوضى. واوضح المتابعون ان الحاجة الى توافق وطني اصبحت ملحة اكثر من اي وقت مضى لتجاوز هذه المرحلة الدقيقة والحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها من التصدع.

واشار المطلعون الى ان الايام المقبلة ستكون حاسمة في تشكيل ملامح المشهد القادم، حيث ينتظر الجميع ما ستؤول اليه المبادرات الدولية والداخلية لنزع فتيل الازمة. وشددوا على ان الحل يكمن في تقديم تنازلات متبادلة تضع مصلحة البلاد فوق المصالح الحزبية والقبلية الضيقة.