تتزاحم في ذاكرة كبار السن الفلسطينيين صور البلاد التي كانت عامرة قبل عقود، حيث تختلط حكايات الجمال والرخاء بمرارة الواقع الذي فرضه اللجوء القسري. ورغم مرور سنوات طويلة على التهجير، لا يزال الأمل بالعودة بوصلة تحرك مشاعر المهجرين، الذين يرفضون الاستسلام لواقع الشتات الذي فرضته ظروف النكبة المستمرة حتى يومنا هذا.
واظهرت شهادات حية لهؤلاء المسنين أن الحياة في القرى الفلسطينية قبل عام 1948 كانت قائمة على التكافل الاجتماعي والبساطة الفطرية، حيث كانت المناسبات الاجتماعية تجمع أهالي القرى كعائلة واحدة. وبدا واضحا أن تلك الحقبة تميزت بالاكتفاء الذاتي والارتباط الوثيق بالأرض، قبل أن تقتلعهم آلة التهجير من جذورهم وتجبرهم على العيش في خيام تحولت مع الزمن إلى مخيمات مكتظة.
واضاف الحاج طلب غطاشة، وهو من سكان مخيم الفوار، أن قريته بيت جبرين كانت مثالا للتعاضد، حيث كان الجميع يشاركون في الأفراح والأتراح كأنهم جسد واحد. واكد غطاشة أن الحياة كانت تسير بهدوء دون تبذير، معتمدا الناس على خيرات أرضهم وثروتهم الحيوانية، قبل أن يغير التهجير وجه حياتهم ويحولهم إلى لاجئين في انتظار وعد بالعودة لم يتحقق منذ عقود.
واقع المخيمات ووجع التهجير المستمر
وبين غطاشة أن تأسيس المخيمات جاء كإجراء مؤقت لم يدم كما كان مأمولا، حيث تحولت الخيام إلى غرف ضيقة تمددت عموديا مع زيادة أعداد السكان. واوضح أن مخيمات الضفة الغربية تعيش اليوم تحت وطأة الحصار والاقتحامات العسكرية المستمرة، مما يفاقم معاناة اللاجئين الذين لا يملكون سوى أزقة المخيمات الضيقة بدلا من ساحات قراهم الفسيحة.
وشدد المسن صالح الخطيب، البالغ من العمر 88 عاما، على أن جيلهم يتذكر تفاصيل طريق الهجرة من قرية صبارين قضاء حيفا، حيث اضطروا لترك كل شيء خلفهم على أمل العودة السريعة. وكشف الخطيب أن والده كان يضطر للعودة خلسة لجلب ما يمكن نقله من أثاث على الحمير، في ظل غياب أي وسائط نقل حديثة آنذاك.
وبين الخطيب أن النكبات لم تتوقف عند جيله، بل امتدت لتشمل أبناءه وأحفاده في مخيم نور شمس، الذين تعرضوا لعمليات تجريف وتدمير واسعة بفعل العمليات العسكرية الأخيرة. واضاف أن التمسك بحق العودة يظل الحلم الأكبر رغم قسوة الظروف التي تفرضها سياسات الاحتلال المتواصلة.
ذكريات البقاء ومقاومة النسيان
وكشفت المعمرة مريم أبو لطيفة، التي تجاوزت المئة عام، عن تفاصيل حياتها في قرية صرعة قضاء القدس، حيث كانت العائلات تعيش بهناء وتزرع الزيتون والعنب. واكدت مريم أنها لا تزال تحتفظ بذاكرة حية عن قريتها، متمنية أن ترى أحفادها يعودون إليها، فهي ترى أن البقاء في المخيمات يمثل حياة شاقة بعيدة كل البعد عن دفء الأرض التي اقتلعوا منها.
واضاف الحاج عبد المجيد الغول، من قطاع غزة، أن أهالي قرية هربيا كانوا يعيشون ملوكا بفضل تصدير البرتقال والخيرات، قبل أن تشن العصابات الصهيونية هجماتها التي أجبرتهم على النزوح. وأظهر الغول أن معاناة الغزيين تضاعفت عبر الحروب المتتالية، حيث فقد القطاع معظم مقومات الحياة، إلا أنه لا يزال متمسكا بأرضه ويرفض مغادرتها.
واوضح الغول في ختام حديثه أن فلسطين تظل في نظره أجمل بلاد العالم، مشددا على أن زيارة الأقصى كانت بمثابة دخول الجنة بالنسبة له، وهو شعور يشاركه فيه ملايين اللاجئين الذين لا تزال قلوبهم معلقة بمدنهم وقراهم التي هجروا منها قسرا.
