بقلم : عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
إنّ الحملة التي تُشنّ اليوم للمطالبة بإعادة حبس المدين، لا يمكن قراءتها على أنّها مجرد “مطالبة قانونية” أو “حرص على حقوق الدائنين”، بل هي محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وضربٌ مباشر لنهجٍ إصلاحي وطني جاء بتوجيهاتٍ ملكية، وبالتنسيق بين السلطات التشريعية والتنفيذية، وبعد دراساتٍ قانونية واجتماعية واقتصادية شاركت فيها جهات مختصة أدركت حجم الكارثة الإنسانية التي خلّفها حبس المدين في المجتمع الأردني.
لقد جاء إلغاء حبس المدين لأن الدولة فهمت أخيرًا أن السجون لا تبني اقتصادًا، وأن تقييد الإنسان خلف القضبان بسبب عجزه المالي لا يُعيد المال للدائن، بل يدمّر الأسرة، ويُسقط الأبناء، ويدفع المجتمع نحو مزيد من الفقر والانهيار.
لكن المؤسف أن أصواتًا خرجت اليوم تُحاول تصوير المدين وكأنه “مجرم محترف” أو “نصاب محتال بطبعه”، متناسية أن آلاف المواطنين وقعوا ضحية منظومة استغلال قاسية مارستها بعض الجهات تحت غطاء العقود والقانون والربح المشروع، بينما حقيقتها في بعض الحالات أقرب إلى الجشع والاستغلال المقنّع.
كم من مواطن بسيط تم استدراجه عبر قروضٍ مرهقة أو تسهيلات خادعة أو عقود مُعقّدة بالشروط المجحفة؟
وكم من إنسان أُوهم بأنه قادر على السداد، ثم اكتشف لاحقًا أنه وقع في التزامات تتضاعف بصورة تفوق قدرته واحتماله؟
وكم من عائلة عاشت القلق والخوف بسبب مطالبات مالية وإجراءات قانونية أرهقتها نفسيًا واجتماعيًا؟
إنّ بعض الجهات الدائنة لا تكتفي بالمطالبة بحقوقها، بل تستخدم أحيانًا ثغرات قانونية وشروطًا مُرهقة تجعل المواطن البسيط عاجزًا عن حماية نفسه أو فهم التزاماته كاملة. فهناك بعض مكاتب تأجير السيارات أو جهات التمويل التي تُدرج في العقود شروطًا معقّدة، وتفرض توقيع كمبيالات أو التزامات مالية كبيرة، ثم تُقام الدعاوى في محاكم بعيدة تزيد من الأعباء المالية والنفسية على المواطن، حتى يبدو وكأن الهدف يتجاوز تحصيل الحق إلى إنهاك الإنسان نفسه.
وفي بعض الحالات، لا يكون أصل المبلغ محل الخلاف كبيرًا، لكن الإجراءات والمطالبات تتضخم بصورة تضع المواطن تحت ضغط هائل، خصوصًا عندما لا يكون مدركًا بشكل كامل لطبيعة التوقيعات أو الالتزامات القانونية التي طُلبت منه عند التعاقد مما يحكم المدين بقيمة كامل الكمبيالة مع ان اصل الدين لا يساوي واحد من العشر من قيمة الكمبيالة التي حكم فيها نتيجة سوء امانة المشتكي .
أما في ملف الإيجارات، فالكثير من المستأجرين الشرفاء، الذين يثقون بالمالك ويعتمدون على الكلمة الطيبة وحسن النية، يدفعون الإيجارات دون الاحتفاظ بوصولات تثبت الدفع، ليُفاجأوا لاحقًا بنزاعات قانونية أو مطالبات مالية أو دعاوى إخلاء تُربك حياتهم وتُهدد استقرار أسرهم.
كما أن المطلوب حماية المواطن من الابتزاز المقنّع، ووضع تشريعات أكثر عدالة توازن بين حفظ الحقوق وصون كرامة الإنسان، لا أن يتحول القانون إلى سيفٍ مسلط على رقاب الفقراء وحدهم، ولا أن يُترك المستأجر البسيط فريسةً لتعسّف بعض مالكي العقارات الذين يستغلون حاجة الناس للسكن تحت غطاء القانون. فكثيرٌ من المستأجرين يثقون بالمالك ويدفعون الالتزامات دون توثيقٍ كامل، ثم يجدون أنفسهم لاحقًا أمام مطالباتٍ مالية ونزاعاتٍ لا تنتهي، فيتحول السكن من حقٍّ واستقرار إلى مصدر خوف وقلق وتشتيتٍ للعائلات من مكانٍ إلى آخر. والأسوأ أن بعض المالكين باتوا يحمّلون المستأجر كل شيء، حتى الرسوم والنفقات المختلف على مسؤوليتها، وكأن المستأجر أصبح الحلقة الأضعف التي يُلقى عليها كل عبء، في مشهدٍ يفتقر إلى العدالة والرحمة.
لا أحد يرفض حماية الحقوق، لكن الحقوق لا تُحمى بتحويل المعسر إلى سجين، ولا بإعطاء الاستغلال غطاءً قانونيًا أو اجتماعيًا. فالمدين الحقيقي في كثير من الحالات ليس مجرمًا، بل مواطن أرهقته البطالة وارتفاع الأسعار والظروف الاقتصادية القاسية، حتى أصبح عاجزًا عن تأمين أساسيات الحياة، فكيف يُواجه بالعقاب بدل المعالجة والحلول الواقعية؟
إنّ المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في الدَّين، بل في غياب التوازن بين القوة الاقتصادية لبعض الجهات وبين ضعف المواطن البسيط الذي يجد نفسه وحيدًا أمام عقود معقدة وإجراءات طويلة وكلفة معيشية خانقة.
وفي هذا الظرف الاقتصادي الصعب، فإن إثارة ملف حبس المدين بهذا الأسلوب التحريضي لا يخدم الاستقرار الاجتماعي، بل يفتح أبواب الاحتقان واليأس، ويُشعر المواطن أن القانون يقف مع القوي ضد الضعيف، ومع المال ضد الإنسان.
إنّ المطلوب اليوم ليس إعادة السجون للمدينين، بل تشديد الرقابة على جهات التمويل والاستغلال، ومراجعة العقود المجحفة، وتعزيز الشفافية والوضوح في الاتفاقات المالية، وتوفير حماية قانونية حقيقية للمواطن، بما يضمن حفظ الحقوق دون سحق كرامة الإنسان أو تحويل الأزمات الاقتصادية إلى مآسٍ اجتماعية.
فالأوطان لا تُبنى بتكديس المعسرين في السجون، ولا بإرهاق الناس بالمطالبات التي تتجاوز قدرتهم الإنسانية، بل تُبنى بالعدالة، والرحمة، والتوازن، وحماية الإنسان من الاستغلال، وبمنح المواطن فرصة للحياة الكريمة بدل دفعه نحو الخوف والانكسار واليأس
