تواصل الطائرات الحربية الاسرائيلية تنفيذ سلسلة من الغارات المكثفة التي تستهدف مربعات سكنية كانت تعد من المناطق الامنة نسبيا في وسط قطاع غزة. وتأتي هذه التحركات الميدانية لتعيد رسم خارطة الدمار في مناطق نجت من قسوة المعارك خلال الفترات الماضية، مما يثير تساؤلات حول طبيعة الاهداف العسكرية في ظل تكرار نمط الاخلاء القسري للسكان.
وكشفت شهادات حية لمواطنين غزيين عن تلقيهم اتصالات مفاجئة من ضباط في جهاز الامن الاسرائيلي، تامرهم باخلاء منازلهم خلال دقائق معدودة قبل ان تنهال عليها القذائف والصواريخ. واظهرت هذه العمليات نمطا متكررا يتجاوز الاستهداف التقليدي، حيث يتم تدمير احياء كاملة دون تقديم مبررات واضحة او الاعلان عن وجود اهداف عسكرية محددة داخل تلك المربعات السكنية.
واكد سكان محليون ان هذه الغارات طالت مناطق حيوية في النصيرات والبريج والمغازي ودير البلح، مما ادى الى نزوح جماعي جديد لمئات العائلات التي فقدت مأواها الاخير. وبينت المعطيات الميدانية ان المنازل المستهدفة تعود لمدنيين لا تربطهم اي صلة بالفصائل الفلسطينية، مما يعزز حالة القلق والارباك بين النازحين الذين باتوا يخشون من استهداف اي منطقة يتواجدون فيها.
استراتيجية الترويع وتفكيك النسيج السكني
واضاف المواطن رامي خروب، وهو احد النازحين من مخيم الشاطئ، ان اتصالا هاتفيا واحدا كان كافيا لتحويل حياة عائلته المكونة من 16 فردا الى رحلة تشريد جديدة. واوضح ان الدقائق الخمس التي منحت لهم لم تكن كافية حتى لجمع المقتنيات الاساسية او اخراج كبار السن بهدوء، مشيرا الى ان منزله ومنازل جيرانه سويت بالارض دون اي سابق انذار او وجود لاي نشاط مسلح في المنطقة.
واشار خبراء ومحللون الى ان هذه السياسة تهدف الى خلق حالة من الارباك المتعمد بين صفوف المدنيين لدفعهم الى التفكير في خيارات قسرية، بما في ذلك الهجرة خارج القطاع تحت وطأة انعدام الامن. وشدد المراقبون على ان تدمير البنية التحتية والمنازل التي صمدت طوال اشهر الحرب يعكس توجها لتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي للقطاع.
وبين احمد المنسي، الذي شهد تدمير منزل عائلته في دير البلح، ان الاتصال الذي تلقاه لم يحدد مكانا بعينه بل طلب اخلاء المربع السكني بالكامل، مما زاد من حالة التخبط والذعر بين الاهالي. واكد ان المنطقة التي كان يسكن فيها كانت تعيش حالة من الهدوء النسبي، مستغربا من هذا الاستهداف المفاجئ الذي تركهم في العراء دون ادنى مقومات للحياة.
مستقبل غامض للنازحين وسط استمرار القصف
واكد محللون سياسيون ان السؤال الذي يطرحه الغزيون اليوم لم يعد يتعلق بموعد نهاية الحرب، بل بالمكان الذي سيكون هدفا للغارات التالية. واوضحوا ان تحويل الاحياء السكنية الى ركام هو جزء من استراتيجية طويلة الامد تهدف الى جعل الحياة في غزة جحيما يوميا لا يطاق، مما يضع مئات الالاف من النازحين امام مصير مجهول في ظل غياب اي افق سياسي للهدنة.
وخلصت الشهادات الميدانية الى ان وتيرة الاستهداف لا تزال في تصاعد، حيث باتت المناطق التي صنفت سابقا كملاذات امنة اهدافا رئيسية للعمليات العسكرية. واظهرت هذه الاحداث ان المدنيين هم الفئة الاكثر تضررا من هذه السياسات، اذ يجدون انفسهم مضطرين للبحث عن خيام جديدة فوق ركام منازلهم بعد ان ضاقت بهم السبل ومراكز الايواء المكتظة.
وختم المراقبون بالاشارة الى ان استمرار هذا النهج العسكري يفاقم من الازمة الانسانية الخانقة، ويحول القطاع الى مساحة واسعة من الدمار يصعب معها الحديث عن اي حلول مستقبلية في ظل استمرار سياسة الاخلاء القسري وتدمير المربعات السكنية بشكل ممنهج.
