كشفت تقارير بحثية حديثة عن وصول عدد النزاعات المسلحة حول العالم الى مستويات هي الاعلى منذ الحرب العالمية الثانية، حيث اظهرت البيانات ان الخريطة الجيوسياسية تشهد اضطرابات متلاحقة لم يسبق لها مثيل في التاريخ المعاصر. واوضحت المؤشرات ان عدد الصراعات التي تشارك فيها اطراف حكومية تجاوزت حاجز الـ 65 صراعا، مما يعكس حالة من التوتر الدولي المتصاعد الذي يهدد استقرار الامن والسلم العالميين بشكل مباشر.

وبينت الدراسة ان النزاعات المباشرة بين الدول سجلت قفزة نوعية لتصل الى ثمانية صراعات كبرى، وهو الرقم الاعلى منذ ثمانية عقود. واكدت المعطيات ان هذه الاشتباكات لم تعد محصورة في نطاقات جغرافية محددة بل امتدت لتشمل مناطق واسعة، مما ادى الى تضاعف حدة المواجهات الحدودية والعمليات العسكرية التي تستخدم فيها ترسانات ثقيلة وسط غياب كامل للحلول الدبلوماسية الناجزة.

واشارت الباحثة سيري آيس روستاد الى ان الارقام الحالية صادمة بكل المقاييس، حيث لا توجد مؤشرات ايجابية تلوح في الافق لتهدئة الاوضاع. واضافت ان العالم يمر بفترة من العنف غير المسبوق، حيث تحولت التقديرات الاحصائية الى واقع مؤلم يجسد انهيار قواعد النظام الدولي وقدرته على احتواء الازمات المتفجرة في مختلف القارات.

ارتفاع قياسي في ضحايا العنف ضد المدنيين

واظهرت البيانات الاحصائية ان العام المنصرم كان من اكثر الاعوام دموية منذ انتهاء الحرب الباردة، مع تسجيل مئات الالاف من القتلى نتيجة المعارك المباشرة. وشددت التقارير على ان الهجمات التي تستهدف المدنيين بشكل متعمد شهدت ارتفاعا حادا، حيث سقط عشرات الالاف من الضحايا نتيجة سياسات الحصار والعمليات العسكرية التي لا تميز بين الاهداف العسكرية والمناطق المأهولة بالسكان.

واوضحت النتائج ان النزاعات في السودان وتحديدا في اقليم دارفور ساهمت بشكل كبير في رفع حصيلة الوفيات، نتيجة المجازر المتواصلة وعمليات الحصار الخانق. واكدت التقارير ان هذه المستويات من العنف لم يشهدها العالم الا في فترات تاريخية مظلمة مثل الابادة الجماعية في رواندا، مما يدق ناقوس خطر حول تدهور الوضع الانساني في مناطق الصراع.

وكشفت روستاد ان العالم يعاني من تداخل صراعات كبرى في وقت واحد، بحيث لا يحصل المجتمع الدولي على اي استراحة من الازمات المتلاحقة. واضافت ان حالة الاستقطاب السياسي العالمي ادت الى شلل في مؤسسات دولية مثل مجلس الامن، مما قلص فرص التعاون الدولي وفتح الباب امام المزيد من التصعيد العسكري والاقتصادي.

افريقيا تتصدر قائمة المناطق الاكثر توترا

وبينت الدراسات ان القارة الافريقية تظل المنطقة الاكثر تضررا من النزاعات المسلحة، حيث تم تسجيل 29 صراعا مختلفا، تليها في الترتيب مناطق اسيا والشرق الاوسط. واوضحت التقارير ان النشاط العسكري المكثف في الشرق الاوسط، وتحديدا في غزة ولبنان وسوريا، جعل المنطقة بؤرة ساخنة تتداخل فيها المصالح الاقليمية والدولية بشكل معقد.

واكدت البيانات ان الولايات المتحدة تواجه تحديات جيوسياسية جديدة مع عودة الادارة الامريكية الحالية، وهو ما تسبب في مزيد من الحواجز التجارية والسياسية. واضافت روستاد ان العالم يتجه بخطى متسارعة نحو مزيد من الانقسام، حيث اصبحت لغة السلاح هي السائدة في التعامل مع الملفات العالقة، مما يعزز فرضية اننا امام مرحلة جديدة من الصدام العالمي المفتوح.

واوضحت التقارير في ختام تحليلها ان برنامج اوبسالا لبيانات النزاعات يظل المرجع الاهم في توثيق هذا العنف المنظم. وبينت ان التمييز بين انواع العنف سواء كان بين الدول او جماعات غير حكومية يسهل فهم حجم الكارثة التي تعيشها البشرية اليوم، مع استمرار تدهور الاوضاع الامنية في ظل غياب رؤية دولية موحدة لانهاء هذه الحروب.