تشهد الساحة السياسية في تركيا تطورات متسارعة تعكس حالة من الانقسام الحاد داخل حزب الشعب الجمهوري، حيث تحولت الخلافات الداخلية إلى ما يشبه حرب تكسير العظام بين جبهة الرئيس السابق للحزب كمال كليتشدار اوغلو، الذي عاد للمشهد بقرار قضائي مؤقت، وبين الرئيس المنتخب أوزغور أوزيل. وتأتي هذه التطورات في وقت يحاول فيه كل طرف تثبيت أقدامه في مراكز صنع القرار، وسط تبادل للاتهامات ومحاولات لإقصاء الخصوم عبر قرارات تأديبية تستهدف قيادات بارزة في الحزب.

واشتعل فتيل الأزمة بعدما اتخذ كليتشدار اوغلو خطوة تصعيدية بإحالة تسعة من نواب الحزب إلى اللجنة التأديبية بهدف فصلهم، وهي الخطوة التي قوبلت برفض واسع من قبل الموالين لأوزيل. وأضافت هذه الخطوة مزيدا من التعقيد للمشهد الحزبي، خاصة وأنها استهدفت شخصيات مؤثرة داخل الكتلة البرلمانية، مما دفع المعارضين للتحرك بشكل جماعي لتقويض سلطة القيادة الحالية.

وشددت جبهة أوزيل على ضرورة وضع حد لهذه الممارسات، حيث قدم 28 عضوا من المجلس المركزي للحزب استقالاتهم في خطوة تكتيكية تهدف إلى إجبار كليتشدار اوغلو على الدعوة لمؤتمر عام استثنائي. وبينت هذه الاستقالات أن المجلس المركزي أصبح يفتقر للنصاب القانوني، مما يجعل عقد المؤتمر العام أمرا حتميا وفقا للائحة النظام الأساسي للحزب التي تفرض إجراء انتخابات جديدة في حال فقدان ثلثي أعضاء المجلس.

مأزق قانوني يحاصر كليتشدار اوغلو

وكشفت قيادات في الحزب أن الإجراءات الاحترازية التي يستند إليها كليتشدار اوغلو في بقائه على رأس السلطة لا تمنحه صلاحيات مطلقة تتجاوز النظام الأساسي للحزب. وأوضح المتحدثون باسم جبهة أوزيل أن أي تأخير في الدعوة للمؤتمر العام يعد مخالفة صريحة للقانون وتجاوزا للسلطة، مؤكدين أن التشبث بقرار المحكمة المؤقت لن يغير من حقيقة فقدان الشرعية التنظيمية داخل أروقة الحزب.

واكد نائب الحزب سيد تورون أن صلاحيات المعينين بموجب الإجراءات القضائية تقتصر فقط على التحضير للمؤتمر العام، وليس اتخاذ قرارات مصيرية مثل فصل النواب أو تغيير الهياكل الإدارية. وأشار إلى أن الميثاق الداخلي للحزب يظل المرجع الأساسي الذي لا يمكن تجاوزه، محذرا من أن الاستمرار في هذا النهج يضع الحزب أمام مخاطر الانقسام الكامل وفقدان قاعدته الشعبية التي تترقب حلا للأزمة.

واضاف علي ماهر بشارير، أحد المحالين للتحقيق، أن ما يجري داخل الحزب يمثل محاولة انقلابية على الإرادة الانتخابية التي أفرزت قيادة جديدة. وشدد على أن الفريق الذي يقوده كليتشدار اوغلو يغرد خارج السرب الحزبي متجاهلا الواقع الجديد الذي يطمح لتقديم بديل سياسي قوي ينافس الحزب الحاكم، بدلا من إضاعة الوقت في صراعات داخلية عقيمة.

البرلمان التركي ينأى بنفسه عن صراعات المعارضة

وأظهر رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش موقفا حاسما تجاه الأزمة، مؤكدا أن المؤسسة التشريعية لن تتدخل في الشؤون الداخلية لحزب الشعب الجمهوري أو نزاعاته حول المقرات والقيادة. وأوضح أن دور البرلمان يقتصر على الالتزام باللوائح الداخلية المنظمة لعمل المجموعات البرلمانية، وأن أي محاولة لجر البرلمان إلى هذه الصراعات لن يكتب لها النجاح.

وكشف كورتولموش أن الطلبات التي قدمها فريق كليتشدار اوغلو لإخلاء مقر المجموعة البرلمانية وتغيير التوازنات داخلها لن تجد استجابة، مشددا على ضرورة أن يحل الحزب مشاكله عبر آلياته الديمقراطية الخاصة. وأضاف أن البرلمان يقف على مسافة واحدة من الجميع، معتبرا أن التدخل في شؤون الأحزاب يتنافى مع مبادئ العمل البرلماني المستقل.

واختتمت الأطراف المعنية بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير الحزب، وسط ترقب لما ستؤول إليه التحركات القضائية والسياسية في ظل إصرار كل طرف على موقفه. وبينما يراهن كليتشدار اوغلو على القرارات القضائية، يتمسك أوزيل بالشرعية الانتخابية وقوة الدعم النيابي، مما يجعل المشهد مفتوحا على كافة الاحتمالات في انتظار انعقاد المؤتمر العام المرتقب.