تتجه الانظار نحو الجهود اللبنانية الحثيثة لفصل ملف المفاوضات مع اسرائيل عن المسارات الاقليمية المرتبطة بايران، حيث تسعى بيروت لانتزاع قرارها السياسي وتثبيت حقها في ادارة ملف الحرب والسلم بعيدا عن التداخلات الخارجية. وتصطدم هذه التحركات الرسمية بعقبات داخلية تتمثل في رفض حزب الله التعاون مع الدولة او دعم المسار التفاوضي الذي يقوده الوفد اللبناني في واشنطن، مما يضع السلم الاهلي امام تحديات معقدة في ظل استمرار المواجهات العسكرية.
واكد رئيس الجمهورية جوزيف عون ان المرحلة الراهنة تفرض على جميع المكونات اللبنانية التخلي عن التجاذبات الطائفية والمناطقية، مشددا على ان الوحدة الوطنية اصبحت ضرورة وجودية لا تقبل التأجيل. واوضح عون ان استحضار الذاكرة الوطنية من خلال الاحداث المؤلمة في تاريخ البلاد يجب ان يكون درسا لبناء دولة عادلة ومنصفة للجميع، بعيدا عن الحسابات الضيقة التي تعيق مسيرة الاستقرار والسيادة.
وبينت التحركات الدبلوماسية الاخيرة ان لبنان يمضي قدما في جولاته التفاوضية مع تل ابيب عبر وساطة امريكية، حيث تم عقد اربع جولات حتى الان، مع الاستعداد لجولة خامسة مكثفة خلال الايام المقبلة. واظهرت هذه الخطوات اصرار بيروت على الوصول الى ترتيبات عملية تتضمن انسحاب القوات الاسرائيلية وتثبيت الحدود واعادة النازحين، معتبرة ان هذه المطالب هي اولوية وطنية لا يمكن ربطها بأي اجندات خارجية قد تعطل مسار الحل.
دعم امريكي للمسار اللبناني الرسمي
واضافت مصادر دبلوماسية مطلعة ان الادارة الامريكية تتعامل حصرا مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة بالتفاوض. وكشفت المصادر ان واشنطن تبدي قلقها من محاولات البعض التشويش على المفاوضات الرسمية عبر الترويج لمسارات موازية، مؤكدة ان هذه الايحاءات تهدف بشكل مباشر الى اضعاف موقع الدولة اللبنانية في المحافل الدولية.
وشدد المسؤولون اللبنانيون على ان التدخلات الايرانية لا تزال تشكل عائقا امام فرص التوصل الى وقف شامل لاطلاق النار، حيث ترى طهران في المفاوضات اللبنانية المستقلة خسارة لورقة تفاوضية كانت تستخدمها في مواجهاتها الاقليمية. واكدت التقارير ان لبنان الرسمي يرفض بشكل قاطع ان يكون ساحة لتصفية الحسابات، متمسكا بحقه في صياغة اتفاقات تخدم مصلحة شعبه وتنهي معاناته.
واوضح رئيس الحكومة نواف سلام ان لبنان يتأثر بطبيعة الحال بالمتغيرات الاقليمية، لكنه يرفض ان يفاوض احد باسمه او نيابة عنه. واضاف سلام ان الحكومة تسعى الى طريق اقل تكلفة للخروج من الحرب، داعيا حزب الله الى الالتزام بالمسار الحكومي الموحد وتغليب مصلحة الوطن على أي ولاءات خارجية، مؤكدا ان اتفاق الطائف يظل المرجعية الاساسية التي تحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة.
دعوة للالتزام بمصلحة الوطن
وتابع سلام ان الحكومة تتواصل بشكل دائم مع قيادة الحزب، مشيرا الى ان المطلوب هو تنفيذ الالتزامات الوطنية بجعل الجنوب منطقة خالية من السلاح وتثبيت سلطة الدولة على كامل الاراضي. واكد ان المطلوب من الحزب هو الوفاء بوعوده السابقة ودعم المفاوضات التي تجريها الحكومة، بدلا من الاستمرار في نهج الانقسام الذي يضر ببيئة الحزب نفسه قبل غيره.
وكشف سلام ان واشنطن لا تقدم ضمانات مطلقة ولكنها تشكل وسيطا يجب اعطاؤه الفرصة للوصول الى نتائج ملموسة، بعيدا عن الثرثرة السياسية التي لا تقدم حلولا. وشدد على ان المشكلة الحقيقية تكمن في سلاح الحزب، مطالبا بتحويله من قوة عسكرية خارج اطار الدولة الى طرف يحترم التزاماته اللبنانية لضمان مستقبل افضل للاجيال القادمة.
واختتم المسؤولون اللبنانيون تأكيداتهم بأن الدولة ماضية في مسارها السيادي ولن تتراجع عن مسؤولياتها تجاه مواطنيها. واظهرت المعطيات ان التمسك بالشرعية هو السبيل الوحيد لانهاء الخروقات وتثبيت الاستقرار، معولين على وعي القوى السياسية بضرورة توحيد الصفوف في هذه اللحظة التاريخية الدقيقة.
