بينما كان محمد عوض يعمل على اصلاح شبكة الصرف الصحي في خيمة نزوحه بحي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، تفاجأ ببروز جثمان طفل ملفوف بغطاء قديم، ليتبين أن الأرض التي يقيم عليها خيمته كانت في بدايات الحرب مقبرة عشوائية اضطر السكان لدفن موتاهم فيها تحت وطأة الحصار والقصف. واضاف عوض الذي يعيش ظروفا قاسية، أنه تواصل فور اكتشافه للجثمان مع طواقم الاسعاف التي حضرت لنقله وتوثيقه ضمن سجلات الشهداء مجهولي الهوية التي باتت تضم آلاف الاسماء. واكد أن المشهد يعكس حجم المعاناة التي يعيشها النازحون الذين باتوا يقطنون فوق رفات من قضوا في هذه الحرب.

مأساة تتكرر في الملاعب والساحات

وبينت التحقيقات الميدانية أن ظاهرة المقابر العشوائية بدأت منذ التوغل البري الاول داخل محافظات القطاع، حيث تعذر على الاهالي الوصول للمقابر الرئيسية بفعل التدمير والعمليات العسكرية. واوضح عوض أنه اضطر للسكن في ارض ملعب بعد تدمير منزله، وهو يعلم أن المنطقة شهدت عمليات دفن جماعية سابقة، لكن بعض الجثامين لم يتم نقلها أو التعرف على هويتها رغم تراجع الآليات العسكرية. وشدد على أن تكرار ظهور هذه الرفات تحت اقدام النازحين يمثل جرحا نازفا يضاف الى قائمة طويلة من الانتهاكات التي طالت حرمة الموتى.

مقابر عشوائية توثق فظائع الحرب

وكشفت تقارير حقوقية أن هناك عشرات المقابر الجماعية العشوائية التي استحدثت في مختلف مناطق غزة، حيث تحولت مساحات واسعة من الملاعب والاراضي الفضاء الى مثوى اخير لآلاف الشهداء. وذكر المسعف كريم العطل أن الملعب الذي تحول لمخيم ايواء ضم في وقت سابق نحو مئة جثمان، مشيرا الى أن الكثير من تلك الجثامين بقيت مدفونة في الارض لعدم تمكن ذويها من التعرف عليها بعد فقدانهم في ظروف الحرب. واكد أن الطواقم الطبية تواجه صعوبات بالغة في التعامل مع هذه الحالات التي تظهر فجأة ودون سابق انذار في مناطق متفرقة.

جهود متعثرة لتوثيق الهوية

واظهرت سجلات الطب الشرعي في غزة وجود أكثر من الف جثمان تم تسجيلهم كشهداء مجهولي الهوية، حيث تعمل الجهات المختصة على منح كل منهم رقما تسلسليا مع الاحتفاظ بملابسهم وصورهم وعينات لفحص الحمض النووي. واوضح مدير دائرة الطب الشرعي الدكتور احمد اضهير أن الاحتلال سلم مئات الجثامين دون معلومات، ولم تتمكن الطواقم الا من التعرف على نسبة ضئيلة منها. واضاف أن غياب الامكانيات والمواد اللازمة للفحص يجعل من ملف المفقودين والشهداء مجهولي الهوية معضلة تزداد تعقيدا مع مرور الوقت.