تجرع لبنان مرارة واحدة من اقسى الازمات في تاريخه الحديث جراء الصراع العسكري الذي اندلع بين اسرائيل وحزب الله مخلفا اثارا كارثية على كافة المستويات البشرية والعمرانية والاقتصادية. وتكشف المعطيات الميدانية عن حجم الدمار الواسع الذي طال مناطق حيوية في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت مما ادى الى تغييرات ديموغرافية واقتصادية عميقة في البلاد.
واكدت بيانات وزارة الصحة اللبنانية ارتفاع حصيلة الضحايا الى مستويات قياسية حيث سجلت الاف القتلى والجرحى خلال فترة المواجهات التي امتدت لاشهر. وبينت الارقام الرسمية ان اعداد الضحايا شملت مئات الاطفال والنساء والكوادر الطبية مما يعكس ضراوة الغارات الجوية التي طالت مناطق سكنية مكتظة.
واشار مراقبون الى ان هذه الخسائر البشرية تجاوزت في معدلاتها ما شهدته البلاد في نزاعات سابقة مما يضع الدولة امام تحديات انسانية واجتماعية بالغة التعقيد في مرحلة ما بعد الحرب. وشددت التقارير على ان غياب التمييز في بعض الاحصائيات بين المدنيين والمقاتلين يعقد المشهد العام للضحايا في ظل استمرار عمليات الحصر والتوثيق.
حجم الدمار العمراني والبنية التحتية
وكشفت المسوحات الميدانية التي اجراها المجلس الوطني للبحوث العلمية عن تعرض عشرات الالاف من الوحدات السكنية للدمار الكلي او الجزئي في مختلف المناطق اللبنانية. واوضحت التقارير ان الغارات الاسرائيلية لم تكتف بالابنية السكنية بل طالت مرافق حيوية مثل المستشفيات ومحطات المياه والكهرباء مما ادى الى شلل تام في الخدمات الاساسية.
واضافت المصادر ان حجم الاضرار في بيروت وضاحيتها الجنوبية وحده تجاوز مئات الملايين من الدولارات في حين تحولت قرى كاملة في الجنوب الى ركام. وبينت المعطيات ان عمليات التدمير الممنهجة للمباني السكنية اثارت انتقادات دولية واسعة حول جدوى هذه العمليات التي طالت مدنيين لا علاقة لهم بالنشاط العسكري.
واكدت تقارير اممية ان اعادة اعمار ما دمرته الحرب يتطلب استثمارات ضخمة ووقتا طويلا في ظل وضع مالي هش يعاني منه لبنان اصلا. وشددت هذه التقارير على ان فقدان المنازل دفع الاف العائلات الى التشرد في وقت لا تزال فيه المخاوف قائمة من عدم استدامة الهدوء الميداني.
النزوح الجماعي والانهيار الاقتصادي
وادت العمليات العسكرية الى موجات نزوح جماعي غير مسبوقة حيث اضطر اكثر من مليون ومئتي الف شخص لترك منازلهم والبحث عن ملاذات امنة. واوضحت السلطات ان الكثير من النازحين يواجهون مستقبلا مجهولا في ظل انعدام الموارد وتضرر البنية التحتية التي كانت تؤويهم في السابق.
واضاف الخبراء الاقتصاديون ان الحرب عمقت الازمة المالية التي تعيشها البلاد منذ سنوات وادت الى انكماش حاد في الناتج المحلي الاجمالي. وبينت تقديرات البنك الدولي ان الخسائر الاقتصادية والمادية بمليارات الدولارات زادت من وتيرة الانهيار المالي الذي يعاني منه المواطن اللبناني في حياته اليومية.
واكدت التحليلات ان الاقتصاد اللبناني بات يحتاج الى سنوات طويلة من التعافي للعودة الى ما كان عليه قبل هذه الازمات المتلاحقة. وشددت التوقعات على ان غياب الحلول الجذرية للازمة السياسية والاقتصادية سيجعل من الصعب على البلاد تخطي تبعات هذه الحرب القاسية في المدى المنظور.
