تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ سلسلة من الإجراءات الميدانية التي تثير مخاوف فلسطينية واسعة من توجه لفرض سياسة الضم الصامت في أنحاء متفرقة من الضفة الغربية المحتلة. وتتنوع هذه الممارسات بين أعمال التجريف العسكري في جنين، وهدم المنازل في يطا، وصولا إلى تجاوز البروتوكولات التاريخية في مدينة الخليل التي شهدت أيضا تصعيدا استيطانيا لافتا.

وكشفت مصادر محلية أن آليات الاحتلال تواصل لليوم الثاني على التوالي عمليات حفر وتجريف واسعة في حي الجابريات بمدينة جنين، وذلك بهدف إقامة معسكر عسكري دائم على مساحة تقدر بسبعة دونمات من الأراضي الفلسطينية الخاصة. وأوضحت المصادر أن هذه المنطقة تقع ضمن التصنيف أ الذي يخضع للسيادة الفلسطينية الكاملة وفق الاتفاقيات الموقعة، مما يجعل من هذه الخطوة سابقة خطيرة تهدف إلى فرض واقع أمني جديد يطل مباشرة على مخيم جنين وأحيائها السكنية.

وأكد ممدوح عساف المدير العام لبلدية جنين أن الاستيلاء على هذه الأراضي يهدف إلى خلق نقطة مراقبة إستراتيجية، مشيرا إلى أن إسرائيل أصدرت قرارا عسكريا بمصادرة هذه المساحة بدعوى استخدامها لأغراض عسكرية، وهو ما يهدد بقطع التواصل الجغرافي وتضييق الخناق على حركة السكان اليومية.

تجاوز بروتوكول الخليل وتصعيد استيطاني

وأضافت التقارير الميدانية أن السلطات الإسرائيلية اتخذت خطوة غير مسبوقة عبر الموافقة على بناء مدرسة دينية يهودية في قلب مدينة الخليل، وذلك في أول إجراء عملي بعد سلب صلاحيات التخطيط والبناء من البلدية الفلسطينية. وأظهرت القرارات الأخيرة موافقة اللجنة العليا للتخطيط في الإدارة المدنية على إنشاء 576 وحدة استيطانية جديدة، منها مدرسة دينية قرب مستوطنة بيت رومانو، في خطوة تضرب بعرض الحائط بروتوكول الخليل المبرم عام 1997.

وبينت المصادر أن هذا التوجه يهدف إلى نقل صلاحيات التخطيط في المناطق المقدسة بالمدينة من السلطة المحلية الفلسطينية إلى سلطات الاحتلال مباشرة، مما يعد انتهاكا صارخا لاتفاقيات أوسلو التي قسمت الخليل إلى مناطق تخضع لصلاحيات مدنية فلسطينية محددة. وأكد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في بيان له أن هذه الخطوة تأتي ضمن نهج تطبيق السيادة الفعلية عبر التوسع الاستيطاني، وهو ما ترفضه الأمم المتحدة وتعتبره غير قانوني بموجب القانون الدولي.

وأوضحت المعطيات أن اللجنة الإسرائيلية لم تكتف بالخليل، بل أقرت خططا إضافية لبناء مئات الوحدات في مستوطنات محيطة بمدينتي أريحا وشمال الضفة الغربية، مما يؤكد أن الاستيطان بات استراتيجية ممنهجة تهدف إلى تقطيع أوصال الضفة ومنع أي فرص لقيام دولة فلسطينية مستقلة.

استهداف المساجد وهدم المنازل

وشددت مصادر أمنية فلسطينية على أن وتيرة اعتداءات المستوطنين تصاعدت بشكل ملحوظ، حيث أقدمت مجموعة متطرفة فجر الأربعاء على إحراق مسجد في قرية جلجليا شمال رام الله وكتابة شعارات عنصرية على جدرانه. وأكد الأهالي أن النيران أتت على مصلى النساء وألحقت أضرارا كبيرة بالمبنى، مما يعيد إلى الأذهان سلسلة الهجمات السابقة التي استهدفت مساجد في نابلس ودوما تحت حماية قوات الاحتلال.

وكشفت التقارير أيضا عن هدم منزل فلسطيني مأهول في منطقة شرق يطا جنوب الخليل، حيث قامت الجرافات بتدمير بناء تبلغ مساحته 180 مترا مربعا بحجة عدم الترخيص في المناطق المصنفة ج. وأوضح أصحاب المنزل أن هذه العملية تأتي ضمن سياسة التطهير العرقي البطيء التي تتبعها سلطات الاحتلال في منطقة مسافر يطا لتهجير السكان الأصليين وتوسيع رقعة المستوطنات القريبة.

وأشار مراقبون إلى أن هذه الاعتداءات المتفرقة من جنين إلى الخليل تعكس توجها استراتيجيا لفرض وقائع على الأرض تمهد لعملية ضم واسعة، مستغلة حالة الانشغال الدولي والتصعيد العسكري المستمر منذ أشهر في شمال الضفة الغربية، والذي أسفر عن دمار واسع في البنية التحتية وتهجير آلاف الفلسطينيين من مخيماتهم.