تشهد الساحة الليبية حالة من التوتر المتزايد على خلفية انتشار موجات من خطاب الكراهية والتحريض ضد المهاجرين واللاجئين، وهو ما دفع جهات دولية وحقوقية للتحذير من مغبة تحول هذه السرديات الرقمية إلى ممارسات عنف ميدانية تستهدف فئات ضعيفة في المجتمع. وتأتي هذه التطورات في ظل احتجاجات شعبية ترفض ما يسمى بتوطين المهاجرين غير النظاميين، مما خلق بيئة خصبة لانتشار التضليل والمعلومات المغلوطة التي تستهدف أيضا العاملين في المنظمات الدولية.

واوضحت البعثة الاممية في ليبيا ان هناك قلقا بالغا من تنامي حدة التحريض الذي بات يطال اللاجئين والنازحين بشكل مباشر، مشيرة الى ان المبعوثة الاممية هانا تيتيه حذرت من ان الادعاءات غير الموثقة تسهم في خلق اجواء عدائية تهدد السلم الاجتماعي. وبينت ان التعامل مع ملف الهجرة يتطلب استنادا الى الحقائق والخطاب المسؤول بعيدا عن تأجيج المخاوف او استخدام سرديات التضليل التي لا تخدم المصلحة الوطنية.

وشدد خبراء حقوقيون على ان خطاب الكراهية في ليبيا لم يعد مقتصرا على الصراعات السياسية التقليدية، بل انتقل ليصبح اداة ضغط اجتماعي تستهدف جنسيات بعينها وتكشف اماكن تواجدهم. واكد مراقبون ان هذه الحملات الممنهجة تسببت في تضييق الخناق على المهاجرين، مما ادى الى وقوع حوادث طرد من المساكن واعتداءات جسدية موثقة في عدة مدن ليبية.

تداعيات التحريض الميداني وتأثيره على المهاجرين

وكشفت المؤسسات الحقوقية العاملة في الميدان عن توثيق حالات اعتداء عنيفة تعرض لها مهاجرون افارقة في العاصمة طرابلس ومناطق اخرى، مؤكدة ان هذه الوقائع هي نتيجة مباشرة لانتشار الكراهية عبر منصات التواصل الاجتماعي. واضافت ان التدخلات المجتمعية من قبل شباب المناطق ساهمت في انقاذ ارواح بعض الضحايا الذين تعرضوا لمحاولات اذى، الا ان الوضع لا يزال يتطلب تدخلا رسميا لضبط الانفلات في الخطاب التحريضي.

وبين الناشطون المناهضون للتوطين من جانبهم ان تحركاتهم تهدف الى حماية الهوية الوطنية والتوازن الديموغرافي في البلاد، نافين وجود نية لاستهداف الافراد بشكل شخصي. واوضحوا ان التقديرات الرسمية التي تشير الى وجود اعداد كبيرة من المهاجرين تفرض ضرورة ايجاد حلول وطنية شاملة تراعي القوانين المحلية والاعتبارات الامنية والاجتماعية للدولة الليبية.

واكد الحقوقي طارق لملوم ان استمرار هذا النوع من الخطاب في بلد يعاني من انتشار السلاح يضع حياة المهاجرين في خطر حقيقي، موضحا ان المخاطر تتجاوز الكلمات لتصل الى تهديدات جسدية واضحة. وشدد على ضرورة التحرك العاجل لوقف هذه الممارسات قبل ان تخرج الامور عن السيطرة وتؤدي الى فوضى امنية تؤثر على سمعة البلاد والتزاماتها الحقوقية الدولية.

استراتيجيات وطنية لمواجهة التضليل الرقمي

واشار رئيس المنظمة العربية لحقوق الانسان في ليبيا عبد المنعم الزايدي الى ان انتشار الكراهية ليس عفويا بل يبدو منظما ومدعوما تقنيا لاحداث بلبلة في الشارع. واضاف ان الحل يكمن في تبني استراتيجية وطنية متكاملة تبدأ من تحصين الفضاء الرقمي وتفعيل قوانين مكافحة الجرائم الالكترونية التي تحرض على العنف ضد الوافدين والاجانب.

وتابع الزايدي موضحا ان تعزيز التربية الاعلامية للمواطن اصبح ضرورة قصوى لتمكينه من تمييز التحريض وتفكيك السرديات الزائفة قبل تصديقها. وبين ان على النخب السياسية والمثقفين في ليبيا لعب دور ريادي في نشر خطاب تصالحي يعكس قيم المجتمع الليبي الاصيلة ويقطع الطريق امام دعاة الفتنة والتحريض.

واكدت التقارير الاخيرة ان الاحداث التي استهدفت مقار منظمات دولية مؤخرا تعكس مدى خطورة الانجرار خلف الشائعات، مشيرة الى ان استعادة الهدوء تتطلب تكاتف الجهود بين السلطات والمجتمع المدني لضمان حماية الجميع وتطبيق القانون على كل من يتجاوز حدوده بالاعتداء على الاخرين.