تعيش مدينة الابيض في ولاية شمال كردفان حالة من الترقب والحذر الشديد في ظل تصاعد وتيرة الهجمات التي تنفذها الطائرات المسيرة التابعة لقوات الدعم السريع، حيث شهدت المدينة انقطاعا تاما للتيار الكهربائي بعد استهداف محطتها الرئيسية، مما فاقم من معاناة السكان وسط مخاوف حقيقية من اتساع رقعة العمليات العسكرية التي تستهدف البنية التحتية والخدمات الاساسية.
واكدت مصادر ميدانية ان وتيرة القصف بالطائرات المسيرة تزايدت بشكل ملحوظ خلال الايام الاخيرة، مما ادى الى سقوط ضحايا بين المدنيين واستهداف مباشر لمحطات الوقود وشاحنات الامداد، واوضحت تلك المصادر ان هذه الهجمات خلفت حالة من الذعر بين الاهالي الذين اضطروا لتقليص حركتهم والبقاء في منازلهم خشية وقوع غارات مفاجئة في اي وقت.
وبين سكان محليون ان اصوات المسيرات التي تحلق باستمرار في سماء عروس الرمال باتت تشكل ضغطا نفسيا كبيرا، واشاروا الى ان حياة المدينة تاثرت بشكل مباشر بعد تكرار استهداف المرافق العامة والخدمية، مما دفع بالمجتمع الدولي والامم المتحدة للمطالبة بوقف فوري للعمليات العسكرية لتجنب كارثة انسانية محققة.
مخاوف من استنساخ تجربة الفاشر
واشار مراقبون الى ان القلق الشعبي يرتكز على تشابه الاحداث الحالية مع التكتيكات التي سبقت سقوط مدينة الفاشر في ولاية شمال دارفور، واظهرت التقارير ان استراتيجية الاستنزاف التي تعتمد على حصار الخدمات واستهداف الامدادات تهدف بالدرجة الاولى الى اضعاف صمود المدينة وفتح ممرات للنزوح، مما جعل اسم الفاشر حاضرا في كل نقاش يدور حول مستقبل الابيض.
وكشفت التحليلات العسكرية ان اهمية الابيض تكمن في موقعها الاستراتيجي كحلقة وصل بين اقليم دارفور ووسط السودان، واضافت ان المدينة تضم الفرقة الخامسة مشاة المعروفة بالهجانة، وهي قوة عسكرية وازنة تمنح المدينة ثقلا استراتيجيا، فضلا عن كونها مركزا تجاريا عالميا للصمغ العربي والحبوب الزيتية، مما يجعلها نقطة ارتكاز لا يمكن التنازل عنها في موازين القوى الراهنة.
واوضح خبراء عسكريون ان الجيش السوداني يرى في الابيض خط الدفاع الاول عن وسط البلاد، وشددوا على ان القيادة العسكرية تنفي وجود خطر وشيك على المدينة، مؤكدين ان الخطط الدفاعية تسير وفق ما هو مخطط لها وان القوات المهاجمة تتكبد خسائر فادحة في محاولاتها المستمرة لاختراق التخوم المحصنة للمدينة.
واقع الحياة بين التطمينات والضغوط
وقال صحفيون مقيمون في الابيض ان الحياة في معظم الاحياء لا تزال تسير بوتيرة طبيعية رغم التحديات، واضافوا ان ازمة المواصلات والوقود التي شهدتها المدينة مؤخرا جاءت نتيجة مباشرة لاستهداف محطات الوقود، لكنها لم تصل بعد الى مرحلة الانهيار الشامل للخدمات العامة او توقف حركة التجارة بشكل كامل.
وبين المحللون السياسيون ان قوات الدعم السريع تسعى من خلال هذه الهجمات الى ممارسة ضغط نفسي على السكان لدفعهم نحو مغادرة المدينة، واكدوا ان السيطرة على الابيض تظل مهمة صعبة للغاية نظرا للتحصينات العسكرية الموجودة، مرجحين ان الهدف الحالي هو استنزاف الجيش اكثر من كونه محاولة لاقتحام المدينة عسكريا في الوقت الراهن.
واضافت التطورات الميدانية الاخيرة ابعادا جديدة للصراع، حيث باتت الابيض في قلب الاهتمام الدولي نتيجة التحذيرات من تدهور الوضع الانساني، ويبقى السؤال الاكثر الحاحا هو قدرة المدينة على الصمود امام هذه الضغوط المتصاعدة، ام ان المسيرات ستغير وجه التاريخ لهذه المدينة العريقة وتدفعها نحو مصير غامض يشبه ما شهدته مدن سودانية اخرى.
