واجه القضاء الشرعي في غزة تحديات وجودية غير مسبوقة في ظل استمرار الحرب، حيث اضطر القضاة والموظفون للعمل في ظروف بالغة القسوة لضمان استمرار تقديم الخدمات القانونية للمواطنين. كشف رئيس المجلس الاعلى للقضاء الشرعي الشيخ حسن الجوجو ان المؤسسة القضائية فقدت نحو 10% من كادرها القضائي نتيجة الاستهداف المباشر، كما طال الدمار نصف مقار المحاكم الشرعية، بالاضافة الى فقدان ارشيف ورقي تاريخي يعود لعهود قديمة.

واكد الجوجو ان المحاكم لم تتوقف عن اداء رسالتها رغم كل هذه المعوقات، حيث بادر القضاة بفتح منازلهم لاستقبال المراجعين في الاشهر الاولى من الحرب، قبل ان يتمكنوا من تأسيس نقاط عمل ثابتة داخل المؤسسات الخدمية لضمان سير المعاملات الضرورية التي تمس حياة الناس اليومية.

وبين ان الجهود تركزت بشكل اساسي على توثيق حالات الوفاة الناتجة عن القصف، حيث تم تثبيت 10 الاف حالة وفاة لشهداء لم يتم العثور على جثامينهم او دفنهم، وهو ما ساعد العائلات في ترتيب اوضاعهم القانونية المتعلقة بحصر الارث والوصاية.

تحديات الملفات الشائكة

واوضح الجوجو ان ملف المفقودين يمثل العبء الاكثر تعقيدا امام المحاكم الشرعية، مشددا على ان العمل في هذا الملف يتم بحذر شديد وبالتعاون مع لجنة وطنية مختصة لضمان دقة البيانات، خاصة في ظل وجود حالات تبين فيها ان المفقودين كانوا احياء او في عداد الاسرى.

واضاف ان القضاء الشرعي حرص على حماية اموال القاصرين والايتام من خلال التنسيق مع صندوق ايتام فلسطين، حيث يتم ايداع الحقوق المالية بشكل قانوني يضمن استثمارها وحفظها لحين بلوغهم السن القانونية، مما يمنع ضياع حقوق هذه الفئات الهشة في ظل الفوضى الناتجة عن الحرب.

واشار الى ان المحاكم انجزت منذ بدء الحرب وحتى نهاية مايو الماضي اكثر من 358 الف معاملة متنوعة، وهو رقم يعكس حجم الضغط الهائل الذي يواجهه الكادر المتبقي في ظل نقص الامكانات اللوجستية وتدمير المركبات وانقطاع الكهرباء.

مؤشرات اجتماعية لافتة

وذكر الجوجو ان معدلات الزواج في قطاع غزة سجلت ارقاما مفاجئة تجاوزت 57 الف عقد زواج خلال فترة الحرب، موضحا ان هذه النسبة تشكل زيادة قدرها 10% عما كانت عليه في فترات الاستقرار، مما يعكس اصرار المجتمع الغزي على التمسك بالحياة وتكوين الاسر رغم الموت والدمار.

واكد ان حالات الطلاق ظلت ضمن حدودها الطبيعية ولم تشهد ارتفاعا استثنائيا، وهو ما يدل على تماسك النسيج الاسري رغم الظروف القاسية، لافتا الى ان القضاة يواصلون العمل لساعات طويلة تتجاوز الدوام الرسمي لتسريع انجاز القضايا العالقة.

وختم الجوجو موضحا ان القضاء الشرعي نجح في تجاوز العقبات الفنية والمادية ليظل الحصن القانوني الذي يحمي حقوق المواطنين، مشددا على ان استمرار المحاكم في عملها هو رسالة صمود تعزز الامن المجتمعي والسلم الاهلي في وقت تشتد فيه الحاجة الى هذه الخدمات.