يواجه قطاع التامين في قطاع غزة ما يشبه الموت السريري في ظل الحرب المستمرة التي التهمت الاخضر واليابس ودمرت شبكة الامان المالي والاقتصادي للمنشات والمواطنين على حد سواء. وتجد شركات التامين نفسها اليوم امام تحديات وجودية مع تضخم الخسائر المادية التي طالت الاف السيارات والمصانع والممتلكات الخاصة مما جعلها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها في بيئة عمل تلاشت فيها مقومات الاستقرار.
واظهرت الوقائع الميدانية حجم الدمار الهائل الذي لحق بالاستثمارات الكبرى حيث تحولت المنشات الصناعية التي كانت تشكل اعمدة الاقتصاد المحلي الى ركام في لحظات. وبين مدير احدى الشركات الصناعية الكبرى ان الدمار طال الماكينات والبضائع والمخازن بشكل كامل مما ادى الى سحق اصول الشركة وتاريخها الانتاجي في ضربة موجعة لم تترك مجالا للتعافي السريع.
واكد اصحاب الاعمال ان الثقة بقطاع التامين تراجعت الى مستويات قياسية نتيجة غياب القوانين والتشريعات التي تلزم الشركات بالتعويض في ظروف الحروب الاستثنائية. واشاروا الى ان المواطنين باتوا يدركون ان بوليصات التامين لا تغطي اضرار العمليات العسكرية مما خلق حالة من العزوف القسري عن تجديد العقود او الاستثمار في خدمات التامين مستقبلا.
واقع التامين في ظل الدمار الشامل
وبين الخبراء الاقتصاديون ان قطاع التامين كان يساهم بنحو 2.3 بالمئة من الناتج المحلي الفلسطيني قبل اندلاع الحرب وكان يشهد انتعاشا ملحوظا في حجم الاقساط المكتتبة. واضاف المحللون ان هذا القطاع الذي كان يمثل صمام امان للاستثمارات تحول فجأة الى عبء مالي وقانوني ثقيل لا يمكن للشركات تحمله في ظل غياب الغطاء القانوني والبيئة الامنة.
واوضح المختصون ان قطاع تامين المركبات كان يستحوذ على الحصة الاكبر من السوق بنسبة تصل الى 68 بالمئة قبل ان ياتي القصف ليدمر مئات الاف المركبات في القطاع. واكد ان هذه النسبة تحولت من مصدر دخل رئيسي للشركات الى كابوس مالي ومطالبات تعويضية تفوق القدرة البشرية والمالية على الاستيعاب والتعامل معها.
واشار المراقبون الى ان نسبة الخسائر التي تكبدتها شركات التامين في غزة وصلت الى مستويات كارثية تقترب من 98 بالمئة. وشددوا على ان ما حدث ليس مجرد تراجع في المؤشرات المالية بل هو تدمير ممنهج للاصول والمقرات الميدانية التي كانت تشكل العمود الفقري لهذا القطاع المالي غير المصرفي.
تحديات قانونية ومالية معقدة
وكشف اتحاد شركات التامين ان حجم المحفظة التامينية للشركات في غزة هوى الى ما يقارب 0.5 بالمئة فقط من اجمالي المحفظة العامة. واضاف ان الشركات تواجه معضلة قانونية فيما يتعلق بملحقات الاخطار السياسية التي قد تضطرها لدفع تعويضات تقدر بعشرات ملايين الدولارات وهو ما يهدد استقرارها المالي.
واوضح رئيس الاتحاد ان التغطيات التقليدية لا تشمل الحروب والاضطرابات السياسية بشكل تلقائي مما يفتح الباب امام نزاعات قضائية معقدة في المستقبل. وبين ان الشركات تحاول الموازنة بين التزاماتها القانونية وبين الواقع الكارثي الذي يجعل من الصعب الاستمرار في تقديم الخدمات في ظل غياب الامن.
وختم الخبراء بالتأكيد على ان المواطن الفلسطيني هو المتضرر الاكبر في هذه المعادلة الصعبة حيث فقد مدخراته وممتلكاته دون وجود مظلة حماية حقيقية. واكدوا ان اعادة احياء هذا القطاع تتطلب تدخلا دوليا عاجلا لاعادة بناء الاقتصاد المحلي وضمان دوران عجلة الانتاج في القطاع المدمر.
