يواجه المشهد السوداني تحولات جذرية في ظل استمرار النزاع المسلح الذي اعاد تشكيل خارطة القوى السياسية والعسكرية على الارض. وتبرز الحركة الاسلامية اليوم كطرف يحاول التكيف مع واقع جديد فرضته الحرب، حيث لم تعد القوى المناهضة لقوات الدعم السريع تقتصر على تيار واحد، بل اصبحت مزيجا معقدا من الحركات المسلحة والتشكيلات القبلية والمنشقين عن الدعم السريع تحت مظلة الجيش السوداني. واظهرت التطورات الميدانية ان هذا التقاطع في المصالح قد يكون مؤقتا، مما يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة هذه المكونات على الاستمرار كتحالف موحد في مرحلة ما بعد الحرب.

واضاف مراقبون ان التجارب التاريخية في السودان تثبت ان التحالفات الناشئة في ظروف القتال نادرا ما تتحول الى شراكات سياسية مستقرة. واكدت المعطيات الحالية ان الجيش السوداني صار المظلة الجامعة لقوى متباينة الخلفيات، مما جعل الحركات المسلحة القادمة من دارفور وقوات درع السودان لاعبين اساسيين يشاركون الاسلاميين في النفوذ. واوضح الخبراء ان هذا الواقع الجديد قلص من الهيمنة التقليدية التي كان يتمتع بها التيار الاسلامي على مفاصل الدولة والقرار السياسي.

تحالفات الضرورة ومستقبل النفوذ

وبينت التحليلات ان ما يجمع هذه القوى هو فقط هدف مواجهة قوات الدعم السريع، دون وجود مشروع سياسي متفق عليه لمستقبل البلاد. وكشفت التحركات الاخيرة ان الاسلاميين لم يعودوا يحتكرون ادوات التاثير كما كان الحال طوال عقود، حيث ترفض العديد من القوى الصاعدة هذا الارث السياسي وتطالب بتجاوزه. واشار محللون الى ان اتساع دائرة القوى الداعمة للجيش ادى بالضرورة الى تراجع الوزن النسبي للاسلاميين، مما جعلهم جزءا من مشهد تتوزع فيه مراكز القوى بين فاعلين متعددين.

وذكرت مصادر مطلعة ان الحركة الاسلامية تتعرض لضغوط دولية واقليمية متزايدة تهدف الى ابعادها عن اي تسوية سياسية قادمة. وشدد الخبير الاستراتيجي عبد الهادي عبد الباسط على ان التيار يواجه تحديات غير مسبوقة، لا سيما مع تصاعد الدعوات لمحاسبة قياداته عن فترات الحكم السابقة. واكدت تقارير ان واشنطن وبعض الاطراف الدولية صنفت كيانات تابعة للتيار ضمن قوائم مرتبطة بالارهاب، مما زاد من حالة العزلة السياسية التي يعاني منها التنظيم في الوقت الراهن.

مفترق طرق امام التيار الاسلامي

واوضحت القوى المدنية ان تراجع نفوذ الاسلاميين هو استحقاق طبيعي لمسار الانتقال الديمقراطي الذي نادى به الشعب السوداني. واضاف الدكتور بكري الجاك ان المشكلة الحقيقية تكمن في تغلغل نفوذهم داخل مؤسسات الدولة، مما يتطلب تحالفا وطنيا واسعا لاجتثاث هذا الارث السياسي. واكد شريف محمد عثمان ان ثورة ديسمبر كانت البداية الحقيقية لسقوط هذا المشروع، وان الضغوط الدولية ستعجل من نهاية حقبة التاثير الاسلامي في القرار السوداني.

وبين مبارك اردول رئيس الكتلة الديمقراطية ان هناك توافقا شفهيا بين القوى السياسية على استبعاد المؤتمر الوطني من ترتيبات المرحلة الانتقالية القادمة. واشار مراقبون الى ان الحركة الاسلامية لا تزال تمتلك شبكات تنظيمية وخبرات تراكمية قد تمكنها من المناورة، الا ان قدرتها على استعادة هيمنتها السابقة تبدو اليوم اكثر صعوبة من اي وقت مضى في ظل التحولات السياسية والاجتماعية المتسارعة في السودان.