يواجه القطاع الصحي في الضفة الغربية تهديدا وجوديا غير مسبوق في ظل تفاقم الازمات المالية التي تعصف بالمستشفيات الحكومية والخاصة على حد سواء. وتكشف المعطيات الميدانية عن خلو رفوف المستودعات الطبية من الادوية الاساسية والمستلزمات الضرورية اللازمة لانقاذ حياة المرضى، وذلك نتيجة احتجاز اموال المقاصة الفلسطينية التي تعد الشريان المالي الرئيسي لعمل المؤسسات الصحية. واظهرت التقارير ان هذا الاحتجاز المالي ادى الى تراكم ديون ضخمة على وزارة الصحة لصالح الشركات الموردة والمستشفيات الاهلية، مما وضع المنظومة الطبية امام تحديات تعجيزية تمنعها من تقديم الخدمات الاساسية للمواطنين.
واضافت وزارة الصحة الفلسطينية في توضيحها للمشهد المأساوي ان مئات الاصناف الدوائية الحيوية قد نفدت تماما من المخازن المركزية، بما في ذلك ادوية تخصصية لمرضى السرطان لا يمكن الاستغناء عنها. وبينت البيانات ان العجز المالي تسبب في تعميق الفجوة الاقتصادية، حيث تعاني المستشفيات من عجز عن سداد التزاماتها للموردين، مما دفع عددا من المؤسسات الطبية الى تقليص خدماتها بشكل حاد واعتذارها عن استقبال حالات مرضية حرجة كانت تتطلب تدخلات جراحية متقدمة.
واكد يوسف التكروري رئيس اتحاد المستشفيات الاهلية والخاصة ان الوضع وصل الى مرحلة حرجة تستوجب التحرك الفوري، موضحا ان العديد من المستشفيات لم تعد قادرة على دفع رواتب كوادرها الطبية منذ فترات طويلة بسبب توقف التمويل. واشار الى ان بعض المراكز الطبية اضطرت الى التوقف عن تقديم خدماتها لمرضى الاورام والحالات الطارئة، معتبرا ان هذا الواقع يمثل مؤشرا خطيرا على انهيار المظلة الصحية التي كانت تمثل ملاذا آمنا للمواطنين خلال الازمات السابقة.
ارقام كارثية وتداعيات على حياة المرضى
وبين مهند حبش رئيس اتحاد شركاء توريد الادوية ان الشركات الموردة تعاني من حالة شلل تام، حيث لم تحصل على مستحقاتها المالية التي تغطي تكاليف التوريد، مما جعلها عاجزة عن توفير اي مخزون استراتيجي للطوارئ. واضاف حبش ان المخزون الذي كان متاحا قد تم استهلاكه بالكامل دون امكانية لتعويضه، مما يضع المرضى في مواجهة مباشرة مع الموت نتيجة غياب العلاج.
وكشفت وزارة الصحة عن ارقام صادمة تظهر تأجيل نحو احد عشر الف عملية جراحية كانت مجدولة مسبقا، مع عجز المستشفيات عن تأمين ابسط المستلزمات كخيوط الجراحة والمستهلكات الطبية. واوضح المسؤولون في الوزارة ان حياة اربعة الاف مريض بالسرطان باتت في خطر محدق، مشددين على ان استمرار احتجاز الاموال يعني استحالة الاستمرار في توطين الخدمات الطبية التي كان يعتمد عليها الفلسطينيون.
واكد مصطفى القواسمي مدير عام الادارة العامة للمستشفيات ان القطاع الصحي يتجه نحو الانهيار الشامل ما لم تتدخل الجهات المعنية بشكل عاجل لانقاذ ما يمكن انقاذه. واوضح ان المواطن الفلسطيني اصبح يعيش حالة من القلق والضعف امام مصير طبي مجهول، حيث تكتظ الممرات بالمرضى الذين يصارعون من اجل البقاء في ظل امكانيات طبية متهالكة لا توفر سوى الحد الادنى من الرعاية الصحية.
