في ورشة متواضعة بالقرب من شاطئ غزة تتصاعد أصوات آلات القص والمثاقب الكهربائية لتكسر صمت المكان. يعمل الحرفيون هناك وسط هياكل قوارب بدأت تتشكل من بقايا الأخشاب التي انتشلت من تحت ركام المنازل المدمرة. كشف هؤلاء الحرفيون أنهم يحاولون إعادة الحياة لقطاع الصيد الذي تعرض لضربات قاسية جعلت من توفير وسيلة رزق للصيادين تحديا يوميا لا يتوقف. واكدوا أن هذه الورشة باتت تمثل شريان حياة وحيد وسط ظروف الحرب والحصار التي حولت كل شيء الى رماد.

واضاف مصطفى مقداد وهو حرفي قضى عقودا في هذه المهنة انه اضطر للنزوح في بداية الحرب وعند عودته لم يجد سوى قوارب مهشمة أو غارقة في حوض الميناء. مبينا أن عمله اليوم يتركز على مسارين شاقين يتمثلان في صناعة قوارب جديدة من بقايا الأنقاض وترميم ما يمكن إصلاحه من المراكب المتضررة. وأوضح أن المهنة التي توارثها عن والده وأجداده أصبحت تواجه خطر الزوال بسبب فقدان المواد الأساسية اللازمة للصناعة.

وبين مقداد أن شح الألياف الزجاجية والخشب يفرض واقعا مريرا على الصيادين الذين فقدوا قواربهم بالكامل. وشدد على أن الأدوات القديمة في ورشته باتت تستهلك طاقة كهربائية عالية وتتعرض للأعطال المتكررة في ظل غياب قطع الغيار. واشار الى أن الأخشاب التي يستخدمونها اليوم ليست مخصصة أصلا لبناء السفن بل هي بقايا أبواب ونوافذ تم تفكيكها بعناية لإعادة تشكيلها في هيكل القوارب.

واقع الصيادين بعد دمار الميناء

واكد الصياد موسى ابو جياب الذي خسر قاربه في الحرب أنه اضطر للاستدانة من مصادر متعددة ليتمكن من بناء مركب جديد يعيل به أسرته. موضحا أن تكلفة البناء ارتفعت بشكل جنوني حيث أصبح سعر القطعة الخشبية الواحدة يتجاوز أضعاف ثمنها قبل الحرب. وكشفت جولتنا في الورشة عن حجم المعاناة التي يعيشها الصيادون الذين يواجهون خطر الموت يوميا في البحر بسبب استهدافهم من قبل الزوارق العسكرية.

واضاف ابو جياب أن القيود المفروضة على الإبحار لمسافة لا تتجاوز كيلومترا واحدا جعلت من الصيد مهنة شاقة وغير مجدية اقتصاديا. وبين أن منع الاحتلال لتشغيل المحركات أجبر الصيادين على العودة لاستخدام المجاذيف اليدوية وهو ما يقلص كميات الصيد بشكل كبير. وأكد أن الصياد يخرج للبحر مخاطرا بحياته في محاولة لتأمين لقمة العيش لأطفاله رغم انعدام الإمكانيات.

واظهرت البيانات الميدانية أن قطاع الصيد في غزة يعاني من انهيار شامل حيث انخفض الإنتاج السمكي من عشرات الأطنان يوميا إلى كميات زهيدة لا تكفي احتياجات السكان. وشدد مسؤولون في القطاع على أن الاحتلال قتل واعتقل مئات الصيادين مما أدى إلى تدمير القاعدة البشرية والتقنية لهذه المهنة. وبينوا أن ما يفعله الحرفيون اليوم ليس مجرد صناعة قوارب بل هو صمود أسطوري أمام محاولات طمس قطاع حيوي يعتمد عليه آلاف الفلسطينيين.

تحديات البقاء في مهنة الصيد

وكشف مراقبون أن الحرب لم تكتفِ بتدمير آلاف المراكب بل قضت على سبل العيش لآلاف العائلات التي كانت تعتمد على البحر كمصدر دخل أساسي. واضافوا أن غياب المواد الخام مثل الفايبرجلاس والأخشاب يضع الحرفيين أمام طريق مسدود في ظل استمرار إغلاق المعابر. واكدوا أن القوارب التي تُبنى من الأنقاض اليوم هي شاهد على إرادة الفلسطيني في التمسك بحرفته رغم كل أشكال التدمير الممنهج.

وبين الحرفيون في الورشة أنهم يمررون أيديهم بحذر على جوانب القوارب للتأكد من سلامتها قبل إنزالها للمياه رغم علمهم بالمخاطر المحيطة. واوضحوا أن كل مسمار يتم تثبيته في هذه القوارب يمثل محاولة جديدة للتحدي في وجه واقع فرضته الحرب. وشددوا على أن استمرار هذا الوضع سيعني فقدان آخر ما تبقى من أسطول الصيد الفلسطيني في غزة.

واظهرت المشاهد من داخل الورشة كيف يتحول الركام إلى أمل جديد للصيادين الذين يترقبون لحظة نزول قواربهم للبحر رغم علمهم بالقيود العسكرية. واضاف العاملون أنهم سيواصلون العمل بكل ما أوتوا من قوة رغم شح الموارد وارتفاع الأسعار الخيالي. وبينوا أن مهنة الصيد في غزة تعيش أسوأ فتراتها لكنها ترفض الاستسلام بفضل جهود هؤلاء الحرفيين الذين يصنعون الحياة من رحم الدمار.