وسط خيام النزوح في منطقة المواصي غربي خان يونس، يسطر متطوعون فلسطينيون فصلا جديدا من الصمود، حيث تحول ركام المنازل المدمرة إلى مسرح لعمليات إنقاذ دقيقة لقطع أثرية نجت بأعجوبة من القصف. يعمل فريق حراس التراث التابع لجمعية مياسم بشكل مكثف لانتشال المقتنيات التاريخية وتوثيقها في صناديق خشبية بسيطة، في محاولة للحفاظ على الهوية الثقافية للقطاع من الضياع التام. وكشفت هذه الجهود عن إصرار كبير على حماية ذاكرة غزة التاريخية التي تعرضت لتهديد وجودي بفعل الحرب المستمرة.

واوضحت شيماء الناطور، مساعدة منسق برنامج حماية التراث، أن الفريق اتخذ خطوات عملية لحصر المجموعات المتحفية التي سويت بالأرض، مشيرة إلى أن العمليات الميدانية نجحت في استخراج قطع فريدة رغم المخاطر الجسيمة. واضافت أن المبادرة لا تقتصر على الإنقاذ فحسب، بل تمتد لتشمل أرشفتة دقيقة لكل قطعة يتم العثور عليها، لضمان بقائها كشاهد حي على عراقة الأرض الفلسطينية وتجذرها التاريخي عبر العصور.

التحديات الميدانية ومخاطر الاندثار

وبينت الناطور أن القصف الإسرائيلي لم يكتفِ بتدمير البنى التحتية، بل ألحق دمارا واسعا بالمواقع الأثرية والمتاحف العريقة مثل متحف القرارة، مما أدى إلى فقدان آلاف القطع النادرة. وأكدت أن الفريق تمكن من تحديد مواقع نحو 300 قطعة أثرية لا تزال عالقة تحت الأنقاض، لكن الوصول إليها يظل متعذرا بسبب وقوعها في مناطق شديدة الخطورة أو عسكرية يمنع التحرك فيها.

وشددت على أن غياب الوعي لدى البعض بقيمة القطع التي يعثرون عليها بين الركام يشكل تحديا إضافيا، حيث قد تضيع مقتنيات لا تقدر بثمن نتيجة الإهمال أو عدم المعرفة. واوضحت أن الخيام التي تُحفظ فيها القطع حاليا تمثل حلا مؤقتا وضروريا لمنع تلفها، بانتظار ظروف أفضل تتيح ترميم المتاحف وإعادة عرض هذا التراث في بيئات آمنة تليق بعظمة التاريخ الفلسطيني.

إرث حضاري يواجه الفناء

واشارت التقارير الميدانية إلى أن قطاع غزة كان ملتقى لحضارات متعاقبة، من الفرعونية والإغريقية وصولا إلى الرومانية والبيزنطية والإسلامية، مما جعل أرضه مخزنا غنيا للآثار. واكدت الإحصاءات أن مئات المواقع التراثية قد تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي منذ بدء العمليات العسكرية، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية لحماية ما تبقى من هذا الإرث الإنساني.

وختمت الناطور بالإشارة إلى أن فريق حراس التراث يواصل عمله بإمكانيات محدودة، مؤمنين بأن الحفاظ على قطعة فخار أو أداة قديمة هو بمثابة انتصار للهوية الفلسطينية في وجه محاولات طمس التاريخ، مؤكدة أن هذه القطع ستحكي للأجيال القادمة قصة صمود شعب لم يتخلَ يوما عن جذوره مهما بلغت شدة الدمار.