تشهد العاصمة المصرية حراكا دبلوماسيا واسع النطاق منذ مطلع الاسبوع الجاري، حيث تسعى القاهرة لاستثمار المناخ الاقليمي الجديد الناتج عن تفاهمات واشنطن وطهران الاخيرة، وذلك بهدف دفع جهود احتواء الازمات المشتعلة في قطاع غزة والسودان، وتاتي هذه التحركات في اطار رؤية استراتيجية مصرية تهدف لتحويل التهدئة الدولية الى واقع ملموس يضمن استقرار الحدود المصرية ويخفف حدة التوترات الممتدة على جبهاتها الشرقية والجنوبية.
واكد خبراء ان اتفاق وقف الحرب الايرانية الاميركية يمنح القاهرة زخما اضافيا في تحركاتها الدبلوماسية، حيث يرى المراقبون ان تسوية النزاعات الاقليمية الكبرى ترتبط بشكل وثيق بالتفاهمات الدولية حول الملف الايراني، وهو ما تسعى مصر لاستغلاله من اجل فرض واقع جديد يتجاوز العقبات التي عطلت مسارات السلام في غزة والخرطوم خلال الفترة الماضية.
وبينت المصادر الدبلوماسية ان القاهرة كثفت اتصالاتها مع مختلف القوى الدولية والاقليمية الفاعلة، لضمان تنسيق المواقف وتوحيد الرؤى حول ضرورة انهاء الصراعات الجارية، مع التركيز على تنفيذ خطط السلام المطروحة وتمكين اللجان المختصة من مباشرة مهامها الميدانية لضمان استدامة وقف اطلاق النار.
دبلوماسية مصرية لترسيخ الاستقرار الاقليمي
واوضحت التحركات الاخيرة لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع المبعوثين الدوليين، ان هناك توجها مصريا صارما نحو اعادة ترتيب الاولويات الدولية تجاه القضية الفلسطينية، حيث شدد الوزير في مباحثاته مع الممثل الاوروبي لعملية السلام على ضرورة تهيئة الظروف المناسبة لاستكمال خطط السلام الدولية ونشر قوات الاستقرار لمراقبة الالتزام بالاتفاقيات الموقعة.
واضافت اللقاءات المكثفة مع وزيرة الخارجية البريطانية ومسؤولي ملف السلام في غزة، ان مصر تضع ملف الهدنة الانسانية في السودان على رأس اجندتها، مشيرة الى ان استقرار السودان يمثل ركيزة اساسية للامن القومي المصري، وهو ما دفع القاهرة لاستضافة اجتماعات رباعية ضمت قوى اقليمية لبحث التحديات المشتركة في ظل التغيرات الدولية المتسارعة.
وكشفت التحليلات السياسية ان الاجتماع الرباعي الذي احتضنته القاهرة مؤخرا، عكس حرص الدول المشاركة على ان تراعي التفاهمات بين واشنطن وطهران شواغل دول الجوار، وضمان عدم انعكاس الصراعات القديمة على امن واستقرار منطقة المشرق العربي والخليج، مما يعزز من فرص الوصول الى تسويات نهائية للازمات الراهنة.
رهانات الحل والسيناريوهات المرتقبة
واشار الدكتور مختار غباشي الى ان نجاح الجهود المصرية يتوقف على مدى جدية الاطراف الدولية في الالتزام بمخرجات التفاهمات الاخيرة، موضحا ان تصفير الازمات الاقليمية هو الهدف الاسمى للقاهرة في هذه المرحلة، لضمان حماية امنها القومي وتفادي تداعيات استمرار الحروب على حدودها.
واكدت الخبيرة في الشؤون الافريقية اسماء الحسيني ان التهدئة الدولية تفتح نافذة فرصة نادرة لانتزاع حلول جذرية للازمة السودانية، مشددة على ان الدور المصري المحوري يساهم في دفع المجتمع الدولي نحو تحمل مسؤولياته للتعجيل بإنهاء المعاناة الانسانية في مناطق النزاع.
واختتمت التحركات المصرية مساعيها بالتأكيد على ان استمرار التواصل مع كافة الاطراف الدولية يهدف الى خلق ضغط دبلوماسي مستدام، بما يضمن تحويل الهدنة المؤقتة الى مسارات سياسية دائمة تنهي سنوات من الاضطراب وتؤسس لمرحلة جديدة من الامن الجماعي في المنطقة.
