يقف الطفل محمد غبون ذو الاثني عشر عاما وسط انقاض منزله المدمر في حي الصبرة بغزة، لا ينتظر اعادة اعمار بيته بقدر ما ينتظر لحظة انتشال رفات افراد اسرته الذين غيبهم الموت تحت الركام منذ ثمانية اشهر، حيث يعيش على امل ان تمنحهم طواقم الدفاع المدني قبورا تليق بذكراهم بعد طول انتظار.
وتواجه طواقم الدفاع المدني مهمة شبه مستحيلة امام حجم الدمار الهائل، اذ يعمل حفار واحد فقط في سباق مع الزمن لمحاولة البحث عن قرابة ثمانية الاف وخمسمائة جثمان عالق تحت انقاض المنازل التي سوتها غارات الاحتلال بالارض، وقد استأنفت الطواقم مؤخرا عمليات الانتشال بدعم من الصليب الاحمر في ظل ظروف بالغة التعقيد.
واكدت تقارير ميدانية ان العمل بهذه الوتيرة المحدودة يضع المنطقة امام تحديات كبيرة، حيث حذر خبراء من ان استمرار الاعتماد على اليات متهالكة قد يجعل عملية البحث عن المفقودين تستغرق سنوات طويلة، مما يفاقم من معاناة العائلات التي تنتظر انصاف موتاها ودفنهم بشكل لائق.
واقع ميداني مؤلم وعجز في الامكانيات
وبين المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل ان عمليات الانتشال تسير ببطء شديد نظرا للنقص الحاد في المعدات الثقيلة والحفارات المتخصصة، موضحا ان العوائق لا تقتصر على نقص الوقود فحسب، بل تمتد لتشمل المخاطر الميدانية الكبيرة التي تواجه الفرق في مواقع الدمار.
واضاف ان هناك حاجة ماسة لتدخل دولي عاجل لتوفير الالات اللازمة، مشددا على ان توفر المعدات الكافية من شأنه اختصار مدة العمل من سنوات الى اشهر قليلة فقط، وهو ما يمثل مطلبا انسانيا ملحا لإنهاء ملف المفقودين الذين لا يزالون عالقين تحت كتل خرسانية ضخمة.
وكشفت التقديرات الاممية ان حجم الركام في قطاع غزة وصل الى ارقام فلكية تتراوح بين خمسين الى ثمانية وستين مليون طن متري، مما يجعل من مهمة البحث عن الضحايا عملية هندسية ولوجستية معقدة تتطلب دعما دوليا واسع النطاق يتجاوز الامكانيات المحلية المتاحة حاليا.
معاناة الاهالي والبحث عن بصيص امل
واوضح المسن يوسف الزهارنة الذي فقد عددا من ابنائه في قصف استهدف منزله، ان الالم لا يتوقف عند لحظة الفقد، بل يستمر مع غياب القدرة على الوصول الى جثامين الاحبة، مشيرا الى انه يسعى فقط لانتشال ما تبقى من رفات ابنه ليتمكن من دفنه وزيارته في قبر معلوم.
واكد الزهارنة ان الانتظار على انقاض المنزل المكون من خمسة طوابق يعيد اليه ذكريات مؤلمة، مبينا ان الامل بالله هو المحرك الوحيد له ولغيره من العائلات التي تعيش حالة من الترقب والحسرة، في ظل عجز الجهات الدولية عن ادخال الاليات الثقيلة المتفق عليها في تفاهمات وقف اطلاق النار.
وختم بصل حديثه بالتشديد على ان الدفاع المدني يواصل جهوده رغم كل الصعاب، لكنه يظل مقيدا بواقع الحصار ونقص الامكانيات، مطالبا بضرورة تحمل المجتمع الدولي لمسؤولياته الاخلاقية تجاه الاف الضحايا الذين لا يزالون تحت الانقاض بانتظار من ينتشلهم من بين ركام الحرب.
