تشهد مناطق شمال الضفة الغربية تحولات ديموغرافية وجغرافية متسارعة نتيجة تصاعد المشاريع الاستيطانية التي ينفذها الاحتلال، حيث تظهر المعطيات الميدانية وجود استراتيجية ممنهجة تهدف إلى تحويل التجمعات الفلسطينية إلى معازل منفصلة عن بعضها البعض. وتكشف التقارير الرسمية أن سلطات الاحتلال دفعت بمخططات لإنشاء وتطوير ثماني عشرة مستوطنة جديدة، في خطوة تستهدف آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية لفرض واقع جديد يمنع أي امتداد جغرافي مستقبلي.
واوضحت المعطيات أن حكومة الاحتلال لم تكتف بالمستوطنات القائمة، بل عمدت إلى توسيع نطاق سيطرتها عبر إعادة إحياء مستوطنات سابقة وإضافة أخرى جديدة في مناطق يقطنها أكثر من سبعمئة وعشرين ألف فلسطيني. وبينت الدراسات أن هذه المشاريع تهدف إلى تقطيع أوصال المدن والقرى الفلسطينية من خلال شبكة طرق التفافية مخصصة لخدمة المستوطنين، مما يعزز العزلة بين محافظات شمال الضفة الغربية.
واكدت التقارير ان المخططات الاستيطانية الحديثة تشمل إنشاء مدن استيطانية كبرى، مثل مدينة يحنيت على أراضي بلدة عرابة في جنين، ومدينة روش هعاين مزرحيت في سلفيت. وشدد الخبراء على أن هذه المشاريع لا تقتصر على البناء السكني، بل تمتد لتشمل تحويل البؤر العشوائية والمزارع الرعوية إلى مستوطنات معتمدة ضمن المخططات الهيكلية الرسمية.
استراتيجية العزل والتهويد
وبينت المتابعات الميدانية أن الاحتلال يوظف ذرائع دينية لتبرير توسع الاستيطان، كما هو الحال في جبل عيبال بمدينة نابلس، حيث يتم تثبيت بؤر استيطانية تحت غطاء تاريخي مزيف. واضافت المصادر أن هذا النشاط الاستيطاني يتزامن مع عمليات عسكرية واسعة في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، والتي أدت إلى تهجير آلاف السكان وتدمير واسع للبنية التحتية، في محاكاة لأساليب التدمير المتبعة في قطاع غزة.
وكشفت التقارير أن مشروع الخيط القرمزي يمثل تهديداً وجودياً لمساحات شاسعة من الأراضي الزراعية شرق طوباس، حيث يعمل الاحتلال على شق جدار فاصل وطريق عسكري يمتد لاثنين وعشرين كيلومتراً. واظهرت المعطيات أن هذا المشروع يهدف إلى عزل الأغوار عن محيطها الفلسطيني، مما يضع مئات المزارعين أمام خطر فقدان أراضيهم ومصادر رزقهم بشكل نهائي.
واشار القادة العسكريون في جيش الاحتلال إلى أن الهدف من هذه العمليات هو إحداث تغيير جذري في الرؤية الأمنية لشمال الضفة. واكدت المعطيات الفلسطينية أن الاحتلال دمر نسباً كبيرة من مباني المخيمات، مما تسبب في نزوح عشرات الآلاف من الفلسطينيين، في وقت يسعى فيه وزراء في حكومة الاحتلال إلى تثبيت ميزانيات ضخمة لتعزيز الاستيطان وضمان استمراريته.
التسابق نحو التهويد الكامل
واوضحت التحليلات السياسية أن التنافس الانتخابي داخل أروقة حكومة الاحتلال يدفع نحو تسريع الاستيلاء على المناطق المصنفة جيم، والتي تشكل معظم مساحة الضفة الغربية. واضافت أن المسؤولين الإسرائيليين يصرحون علناً برفضهم لأي كيان فلسطيني، معتبرين أن الأراضي التي يتم الاستيلاء عليها تقع ضمن نفوذ دولتهم، وهو ما يعكس رغبة في فرض أمر واقع يصعب التراجع عنه.
وبينت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن وتيرة الاعتداءات التي ينفذها الجيش والمستوطنون سجلت أرقاماً قياسية، حيث تنوعت بين العنف الجسدي المباشر وهدم المنشآت الزراعية واقتلاع الأشجار. واكدت الهيئة أن الاحتلال بدأ فعلياً في تنفيذ مخططات لبناء مدارس دينية داخل المستوطنات، مما يعزز الوجود الاستيطاني طويل الأمد في قلب التجمعات الفلسطينية.
واختتمت التقارير بالتأكيد على أن هذه الممارسات تشكل جريمة مستمرة تهدف إلى تفريغ الأرض من أصحابها الأصليين. وشددت المتابعات على أن استمرار هذه السياسات يضع مستقبل المنطقة أمام منعطف خطير، خاصة مع استغلال الاحتلال للظروف الراهنة لفرض تغيير ديموغرافي وجغرافي لا يمكن إصلاحه.
