يعيش قطاع غزة واقعا انسانيا يندى له الجبين بعد مرور الف يوم من القصف المتواصل الذي حول المدن والبلدات الى ركام واسع يمتد على مد البصر. ويواجه الالاف من السكان تحديات وجودية قاسية في ظل غياب ادنى مقومات الحياة وتزايد اعداد الجرحى الذين يصارعون الالم بانتظار فرصة علاج اصبحت اقرب الى المستحيل. واظهرت الاحصاءات الاخيرة ان اكثر من 94 بالمئة من المرافق الصحية خرجت عن الخدمة تماما ما وضع الاف المصابين امام مصير مجهول في ظل عجز القطاع الطبي عن استيعاب حجم الاصابات الجسيمة.
واكدت التقارير الميدانية ان هناك اكثر من 42 الف شخص يحتاجون الى تدخلات طبية عاجلة وانقاذ حياتهم خارج الحدود في حين يتجاوز اجمالي الجرحى 173 الف حالة. واضافت وزارة الصحة ان القيود المشددة تمنع سفر 17 الف مريض وجريح ممن لديهم تحويلات طبية رسمية محذرة من ان استمرار هذا التعطيل يعني حكما بالاعدام على هؤلاء المرضى. وبينت المعطيات ان حركة المعابر لا تزال خاضعة لرقابة صارمة حيث لا تسمح الا بمرور اعداد محدودة جدا من الحالات الانسانية في حين تظل الاف الطلبات معلقة دون اي افق للحل.
واوضحت الاحداث الاخيرة ان معبر رفح شهد فترات اغلاق طويلة وتقلبات في وتيرة العمل نتيجة تداعيات الحرب المستمرة منذ اشهر طويلة. واشار مراقبون الى ان العمل بالمعبر يقتصر حاليا على فئات معينة وسط اجراءات امنية معقدة تعيق وصول المساعدات الطبية الضرورية وتفاقم من معاناة العالقين داخل القطاع. وشددت الجهات المعنية على ان الوضع الانساني وصل الى مرحلة حرجة تستوجب تدخلا دوليا لفتح ممرات امنة تضمن خروج المرضى وتدفق المستلزمات الطبية.
واقع مرير بين الجوع والنزوح
وكشفت الارقام الصادرة عن المؤسسات الحقوقية ان حصيلة الضحايا بلغت 73 الف شهيد مخلفين وراءهم مأساة اجتماعية تتجسد في وجود 47 الف ارملة واكثر من 58 الف طفل فقدوا والديهم. واضافت البيانات ان الحرب لم تكتف بحصد الارواح بل طالت الارض ايضا حيث دمرت 98.5 بالمئة من المساحات الزراعية مما ادى الى تفشي المجاعة بشكل رسمي. واكدت المنظمات ان 1.6 مليون فلسطيني يعانون من انعدام الامن الغذائي في وقت تراجعت فيه خدمات وكالة الاونروا بشكل كبير بسبب نقص التمويل الدولي.
وذكرت التقارير ان سوء التغذية اصبح ظاهرة منتشرة بين النساء الحوامل والمرضعات حيث تم تسجيل 55 الف حالة تعاني من نقص حاد في الغذاء. واوضحت ان فقدان الموارد الاساسية جعل من الصعب على العائلات تامين وجبات يومية لاطفالهم الصغار الذين يمثلون الفئة الاكثر تضررا من هذه الازمة. وبينت المؤسسات ان غياب الدعم الكافي فاقم من تدهور الحالة الصحية العامة في مراكز الايواء والخيام التي تفتقر لابسط مقومات النظافة والامن الغذائي.
واشار خبراء التغذية الى ان استمرار هذا الوضع سيترك اثارا لا يمكن علاجها على نمو الاطفال وصحة الاجيال القادمة. واضافوا ان نقص التمويل للبرامج الاغاثية جعل من المستحيل تلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان الذين فقدوا منازلهم ومصادر دخلهم. وشدد تقرير صادر عن الجهاز المركزي للاحصاء على ان الحاجة ماسة لتدخل فوري وشامل لانقاذ ما يمكن انقاذه قبل تفاقم كارثة سوء التغذية لتشمل قطاعات اوسع من المجتمع.
اعادة الاعمار تحدي التاريخ
وكشفت التقديرات ان الحرب ادت الى تدمير 97 بالمئة من شبكات المياه و80 بالمئة من البنية التحتية للطاقة الكهربائية. واضافت ان اكثر من 80 بالمئة من الطرق الرئيسية اصبحت غير صالحة للاستخدام مما يعيق حركة الاسعافات وفرق الانقاذ. واكدت التقارير ان 95 بالمئة من المدارس تعرضت لاضرار جسيمة منها 284 منشاة دمرت بالكامل مما تسبب في انقطاع 700 الف طالب عن مقاعد الدراسة وضياع مستقبل عشرات الالاف من طلاب الجامعات.
وتابعت الاحصاءات ان القطاع الاقتصادي انهار تماما مع تضرر 88 بالمئة من المنشات الصناعية والتجارية مما رفع معدلات البطالة الى مستويات قياسية. واوضحت ان مليوني شخص وجدوا انفسهم بلا ماوى بعد تسوية 268 الف وحدة سكنية بالارض والحاق اضرار بالغة بـ148 الف مسكن اخر. وبينت الامم المتحدة ان تكلفة اعادة اعمار ما دمرته الحرب تقدر بنحو 70 مليار دولار وهو رقم يتطلب جهدا دوليا غير مسبوق.
وقال خبراء في الدراسات الامنية ان عملية اعادة الاعمار في غزة ستكون الاعقد في التاريخ الحديث نظرا لحجم الدمار الشامل الذي اصاب كل تفاصيل الحياة. واضافوا ان تحديات التمويل واللوجستيات ستكون عقبة امام اي خطط مستقبلية ما لم يتوفر استقرار سياسي ودعم دولي حقيقي. واكدوا ان الواقع الميداني يتجاوز كل التوقعات وان اعادة بناء غزة ستحتاج لعقود من العمل الدؤوب والمستمر لتعويض ما دمرته الحرب.
