لم تعد مآذن غزة واجراس كنائسها مجرد رموز للسكينة والعبادة، بل تحولت الى شواهد صامتة على حجم الدمار الذي خلفته الحرب المستمرة منذ الف يوم. وبينما كانت هذه المعالم التاريخية تضفي روحانية خاصة على شوارع القطاع، باتت اليوم ركاما يروي قصص التاريخ الممحو بفعل الغارات الجوية العنيفة التي لم تستثنِ حجرا ولا بشرا.

وكشفت بيانات وزارة الاوقاف والشؤون الدينية في غزة ان الهجمات الاسرائيلية طالت اكثر من الف مسجد، حيث سوي 1050 مسجدا بالارض بشكل كلي، بينما اصيبت مئات المساجد الاخرى باضرار متفاوتة، مما يعني خروج معظم دور العبادة عن الخدمة في ظل استمرار العمليات العسكرية رغم اتفاقيات وقف اطلاق النار المعلنة.

واضافت التقارير الميدانية ان هذا الاستهداف الممنهج لم يقتصر على المساجد الحديثة، بل امتد ليشمل ارثا حضاريا يمتد لقرون، حيث يوثق هذا التقرير مصير ابرز المعالم الدينية التي تعرضت للقصف منذ بدء الاحداث في اكتوبر من عام 2023.

المسجد العمري الكبير

وبينت المصادر التاريخية ان المسجد العمري الكبير يعد جوهرة غزة المعمارية، حيث تبلغ مساحته الاجمالية مع فنائه اكثر من خمسة الاف متر مربع، ويحمل في اعمدته وتصميمه حكايات تعود للعصور البيزنطية والاسلامية المتعاقبة.

واوضحت الدراسات التاريخية ان هذا المسجد العريق، الذي سمي تيمنا بالخليفة عمر بن الخطاب، خضع لترميمات واسعة عبر التاريخ، الا ان القصف الاخير ادى الى انهيار مئذنته التاريخية واجزاء واسعة من بنيانه الذي صمد امام حروب سابقة، ليفقد القطاع واحدا من اهم معالمه الدينية والتراثية.

وشدد خبراء الاثار على ان تدمير المسجد العمري يمثل خسارة فادحة للهوية الثقافية لمدينة غزة، حيث كان يمثل مركز اشعاع حضاري وروحيا لاهالي المدينة عبر الاجيال، قبل ان يتحول الى اكوام من الحجارة بفعل الهجمات المتكررة.

مساجد غزة التاريخية تحت القصف

واكدت التقارير ان مسجد السيد هاشم في حي الدرج لم يسلم هو الاخر، حيث يعتقد انه يضم ضريح جد النبي محمد، مما جعله مقصدا دينيا ورمزا لاسم المدينة غزة هاشم، وقد تسببت الغارات في احداث اضرار جسيمة في بنيته التاريخية.

واشار المختصون الى مسجد كاتب ولاية الذي يشترك في جدار واحد مع كنيسة القديس برفيريوس، مما يجعله نموذجا للتعايش التاريخي الذي ضربته الة الحرب، حيث تعرض المسجد الذي يعود تاريخه الى العصر المملوكي لقصف مدفعي خلف دمارا واسعا في اركانه.

واضافت التقارير ان مسجد ابن عثمان في حي الشجاعية، الذي يعد ثاني اكبر المساجد الاثرية، قد تعرض للدمار الكامل، وهو الذي كان يعد تحفة معمارية مملوكية تضم اضرحة امراء تاريخيين، مما يعكس حجم الاستهداف الذي طال التاريخ العمراني للقطاع.

كنائس غزة.. ذاكرة روحية تحت النيران

وكشفت الاحصائيات ان الكنائس التاريخية في غزة واجهت مصيرا مشابها، حيث تعرضت كنيسة القديس برفيريوس، وهي من اقدم كنائس العالم، لقصف عنيف ادى الى تضرر مجمعها الذي كان يمثل ملاذا للمدنيين الباحثين عن الامان.

واوضحت التقارير ان كنيسة العائلة المقدسة هي الاخرى لم تكن بمنأى عن الاستهداف، حيث تعرضت لعدة غارات، وتعد هذه الكنيسة رمزا لوجود المجتمع المسيحي في غزة منذ القرن التاسع عشر، وهي اليوم تعاني من دمار كبير يهدد بقاءها.

واكدت المصادر ان كنيسة المعمداني، التي ارتبط اسمها بمجزرة المستشفى الاهلي، قد شهدت هي الاخرى دمارا في مرافقها، مما يغلق بابا اخر من ابواب العبادة والخدمة المجتمعية التي كانت تقدمها هذه الكنيسة التاريخية لاهالي القطاع.