في قلب مدينة خان يونس وتحديدا داخل اروقة مركز التاهيل الطبي التابع للهلال الاحمر الفلسطيني تتحول قاعات العلاج الى ساحات كبرى لاستعادة ما سلبته الحرب من اجساد ونفوس المصابين، حيث لا تقاس الانجازات هنا بالارقام بل بعدد الخطوات المتعثرة التي تتحول تدريجيا الى مشية ثابتة وبابتسامات طفل او شاب قرر الا يستسلم لقدره المحتوم. وتظهر هذه الصالة التي باتت تعرف بصالة الحياة جهودا استثنائية يخوضها الجرحى يوميا وسط ظروف معيشية وطبية بالغة التعقيد، محاولين ترميم ما تهشم من احلامهم تحت ركام القصف ليعيدوا بناء استقلاليتهم الجسدية والنفسية من جديد.

واضاف القائمون على المركز ان هؤلاء المصابين لا يبحثون عن بطولات رياضية بقدر ما يسعون لاستعادة القدرة على ممارسة ابسط تفاصيل حياتهم اليومية، فكل تمرين يمثل معركة ضد العجز وكل جلسة علاج طبيعي تعتبر خطوة جريئة نحو المستقبل. وبينت الحالات المسجلة ان قصص الناجين تتقاطع في مشهد واحد وهو التمسك بالامل رغم قسوة الاصابات التي تراوحت بين الشلل النصفي وحالات البتر المعقدة، حيث يصر الكثيرون على اكمال رحلة العلاج الطويلة التي قد تستمر لسنوات في سبيل العودة الى مقاعد الدراسة او ممارسة العمل.

واكد المصابون ان احلامهم البسيطة في المشي مجددا او استعادة التوازن اصبحت هي الوقود الذي يحركهم داخل المركز، موضحين انهم يواجهون تحديات جسدية هائلة لكنهم يرفضون الاستسلام لواقع فرضته الحرب عليهم، حيث يمثل المركز طوق النجاة الوحيد في ظل واقع صحي منهار ونقص حاد في الامكانات الطبية والمستلزمات الضرورية.

ابعاد نفسية لرحلة التعافي

وكشفت المتابعات الميدانية ان رحلة التعافي لا تقتصر على الجانب العضوي فحسب، بل تمتد لتشمل دعما نفسيا مكثفا يهدف الى معالجة الصدمات العميقة التي تركتها الحرب في نفوس الجرحى، وشدد المختصون على ان فقدان الاطراف او القدرة على الحركة يشبه في تاثيره حالة فقدان الاحبة، مما يستوجب مرافقة نفسية طويلة الامد تساعد المصاب على تقبل واقعه الجديد ودمجه في المجتمع.

واوضحت البيانات ان مراكز التاهيل في القطاع تعاني من ضغوط هائلة جراء تزايد اعداد المصابين ونقص الاسرة والمواد الطبية، واشار مدير احد المراكز الى ان التحديات تتفاقم يوما بعد يوم مع وصول حالات معقدة تتطلب رعاية متخصصة، وسط استمرار تداعيات الحرب التي دمرت البنية التحتية الصحية واخرجت عشرات المستشفيات والمراكز الطبية عن الخدمة بشكل كامل.

واظهرت الاحصاءات الاخيرة ان حجم المأساة يمتد ليشمل عشرات الالاف من الجرحى الذين يحتاجون الى تاهيل طويل، بما في ذلك حالات البتر والشلل وفقدان البصر، واضاف التقرير ان صمود هؤلاء الجرحى في صالة الحياة يعد انتصارا يوميا على الدمار، مؤكدين ان النجاة في غزة تعني القدرة على تحدي الفقد واستئناف الحياة رغم كل ما خلفته الحرب من ندوب في الاجساد والارواح.