تواجه بعثة الاتحاد الافريقي لدعم الاستقرار في الصومال تحديات وجودية تهدد استمرار عملياتها العسكرية ضد حركة الشباب المتطرفة في ظل توجهات امريكية لتقليص التمويل الدولي الموجه للبعثة. وتثير هذه الخطوة قلقا واسعا لدى الاوساط السياسية والمراقبين الذين يرون ان اي انسحاب او نقص في الموارد قد يؤدي الى فراغ امني خطير في منطقة القرن الافريقي التي تعاني اصلا من هشاشة الاوضاع الامنية. واظهرت مذكرات دبلوماسية حديثة ان واشنطن لا تنوي الاستمرار في دعم مكتب الامم المتحدة المسؤول عن تمويل البعثة بعد انقضاء العام الحالي مما يضع مستقبل القوات البالغ قوامها 12 الف جندي على المحك.

واضاف محللون ان الازمة المالية الحالية ليست وليدة اللحظة بل هي تراكم لعجز مستمر منذ تشكيل البعثة التي حلت محل قوات اتميس السابقة. وبينت المعطيات الميدانية ان غياب الدعم اللوجستي والعملياتي سيجعل بقاء هذه القوات مستحيلا ما لم تتدخل اطراف دولية اخرى لسد الفجوة المالية الكبيرة التي تبلغ ملايين الدولارات. واكد خبراء امنيون ان استمرار حركة الشباب في السيطرة على مساحات واسعة من الريف يفرض ضرورة ملحة لاستمرار التواجد الدولي لضمان عدم انهيار المكاسب الامنية التي تحققت خلال السنوات الماضية.

سيناريوهات محتملة ومخاطر امنية

واوضح المحلل السياسي علي محمود كلني ان المشهد يتجه نحو ثلاثة سيناريوهات محتملة للتعامل مع هذه الازمة التمويلية الخانقة. واشار الى ان السيناريو الاول يتمثل في اعادة هيكلة البعثة وتقليص مهامها مع البحث عن مصادر تمويل بديلة لضمان استمرار الحد الادنى من العمليات. وشدد على ان السيناريو الثاني يرتكز على نقل المسؤوليات الامنية بشكل اسرع الى الجيش الصومالي مع بقاء دعم دولي محدود لا يغطي كافة الاحتياجات الميدانية.

وتابع كلني ان السيناريو الثالث وهو الاكثر قتامة يتمثل في تراجع الدور الدولي بشكل مفاجئ مما سيترك الساحة خالية للجماعات المسلحة للتوسع من جديد. واكد ان المجتمع الدولي لن يسمح بانهيار كامل في الصومال نظرا لاهمية الموقع الاستراتيجي في تأمين الملاحة الدولية في البحر الاحمر وخليج عدن. وبينت التقارير ان الحكومة الصومالية بدأت فعليا في التحرك لتعزيز كفاءة جيشها الوطني لتفادي اسوأ الاحتمالات.

استراتيجية الجيش الصومالي في مواجهة الفراغ

وكشفت وزارة الدفاع الصومالية عن تحركات مكثفة لتسريع بناء وتحديث الجيش الوطني ليكون قادرا على تحمل المسؤوليات الامنية بمفرده في المستقبل القريب. واضاف وزير الدفاع احمد معلم فقي ان الحكومة تضع استراتيجيات جديدة لرفع القدرات القتالية واللوجستية للقوات المسلحة الوطنية. واكد ان هذه الجهود تأتي في اطار مساعي الدولة لفرض السيادة الوطنية وحماية الاراضي من تهديدات حركة الشباب التي لا تزال تنفذ عمليات ارهابية في مناطق متفرقة.

واختتم المحللون ان نجاح الصومال في تجاوز هذه الازمة يعتمد بشكل كلي على سرعة بناء المؤسسات العسكرية وتماسك الموقف الدولي تجاه استقرار البلاد. واوضحت التطورات الاخيرة ان المرحلة القادمة ستكون اختبارا حقيقيا للقدرة الصومالية على ادارة الامن الذاتي في ظل متغيرات سياسية دولية تفرض واقعا جديدا على الارض. وبينت المؤشرات ان الحكومة ستواصل الضغط لضمان عدم ترك البلاد في مهب الريح مع اقتراب مواعيد التجديد للبعثة الدولية.