يواجه سكان قطاع غزة واقعا اقتصاديا مريرا دفعهم للعودة قسرا إلى نظام المقايضة البدائي لتدبير شؤون حياتهم اليومية وتأمين قوت أطفالهم في ظل انعدام السيولة النقدية. وتأتي هذه الأزمة نتيجة تدمير البنية التحتية المصرفية والقيود المشددة التي تمنع تدفق العملات الورقية إلى الأسواق المحلية مما خلق حالة من الشلل التام في المعاملات المالية التقليدية.
واظهرت المعطيات الميدانية تراجعا حادا في القدرة الشرائية للعائلات النازحة التي وجدت نفسها مضطرة لاستبدال سلعها العينية كزيت الطهي والسكر والدقيق للحصول على احتياجات أساسية أخرى. وبينت الشهادات أن تبادل المواد التموينية بين الجيران أو مع المحال التجارية بات المسار الوحيد للبقاء على قيد الحياة وتفادي شبح الجوع في ظل توقف الرواتب وتفشي البطالة.
واكد نازحون أن امتلاك أي سلعة فائضة تحول إلى عملة نقدية بحد ذاتها حيث يتم استبدال الملابس أو المواد الغذائية بمستلزمات مدرسية أو حليب للأطفال لسد الفجوات المعيشية. واضاف المتضررون أنهم لم يتمكنوا من تداول العملة الورقية منذ فترات طويلة مما جعل من المقايضة المباشرة الحل الأكثر واقعية لغياب البدائل المالية.
تلاشي جدوى الحلول الرقمية
وكشفت التجربة الميدانية عن عجز حاد في الاعتماد على المحافظ الإلكترونية أو التطبيقات الرقمية كوسيلة بديلة للتعاملات المالية. واوضحت العائلات أن هذه الحلول اصطدمت بواقع مرير يتمثل في الرسوم المرتفعة التي يفرضها الصرافون والقيود التي تضعها المحال التجارية كحد أدنى للمشتريات مما أفقد الرصيد الرقمي قيمته الحقيقية.
واشار احد النازحين إلى أن التطبيقات الإلكترونية باتت غير مجدية نظرا للعمولات الباهظة التي تصل إلى نسب قياسية مما يمنع الأسر من شراء أبسط الاحتياجات اليومية الصغيرة. وشدد على أن هذه المعوقات أدت إلى تعميق العزلة المالية للعائلات التي تعاني أصلا من فقدان الدخل وتوقف الأعمال.
وذكرت تقارير ميدانية أن ظاهرة استغلال حاجة الناس للنقد انتشرت عبر سوق موازية تفرض عمولات سحب مجحفة تصل إلى نصف قيمة المبلغ المحول. واضاف النازحون أن هذا الاستغلال يفاقم من معاناتهم اليومية ويجعل من الحصول على مبالغ نقدية بسيطة أمرا شبه مستحيل.
تداعيات تدمير المؤسسات المالية
وبينت سلطة النقد الفلسطينية أن خروج أكثر من 90 بالمئة من فروع البنوك وأجهزة الصراف الآلي عن الخدمة أدى إلى قطع خطوط الإمداد المالي بشكل كامل عن القطاع. واكدت المؤسسات المالية أن التدمير الممنهج للبنية التحتية المصرفية تسبب في عزل غزة ماليا عن محيطها الخارجي مما عمق من حجم الأزمة الإنسانية.
واظهرت التحذيرات الرسمية الصادرة عن سلطة النقد رفضا قاطعا للممارسات الاحتكارية التي يمارسها بعض الصرافين غير المرخصين. واوضحت أن هذه الإجراءات تتضمن ملاحقة قانونية لكل من يستغل حاجة المواطنين للسيولة لفرض عمولات غير قانونية تزيد من أعباء الحصار المالي المفروض على السكان.
وكشفت متابعات أن غياب الحلول المستدامة يترك مئات الآلاف من النازحين في مواجهة مباشرة مع التحديات المعيشية الصعبة دون أفق واضح لاستعادة النظام المصرفي عافيته. واكدت الأطراف المعنية أن تدمير مقرات البنوك كان الضربة القاضية التي أفقدت النظام الاقتصادي المحلي قدرته على الصمود أمام التحديات المتراكمة.
