تتزايد حالة الترقب والقلق داخل الاروقة السياسية في طهران مع استمرار غياب المرشد مجتبى خامنئي عن المشهد العام، مما فتح الباب امام تساؤلات جوهرية حول هوية الطرف الذي يمسك بزمام الامور فعليا في البلاد. واظهرت التطورات الاخيرة انقسامات حادة وغير مسبوقة بين مراكز القوى، حيث تحول الخلاف الى صراع علني تبادل فيه المسؤولون اتهامات بالخيانة والعمل على تقويض استقرار النظام، وهو ما وضع هيبة القيادة الجديدة على المحك. واكدت تقارير ان محاولات احتواء هذه الازمات عبر بيانات مكتوبة لم تنجح في تهدئة الشارع او المتشددين الذين يطالبون بظهور مباشر للمرشد لقطع الشك باليقين.
واضاف مسؤولون ان عجز القيادة عن احتواء الصراعات الداخلية يعكس هشاشة في ادارة الدولة، خاصة في الملفات الحساسة مثل المفاوضات مع الولايات المتحدة. وبينت الوقائع ان الرئيس مسعود بزشكيان وجد نفسه في موقف حرج، حيث اضطر للتهديد بالاستقالة لاقناع المرشد بضرورة القبول بالاتفاق لإنقاذ الاقتصاد المنهار جراء الحصار البحري. وشدد رئيس البنك المركزي في رسالته على ان البلاد تقترب من حافة الانهيار بسبب نقص الامدادات الاساسية، مما دفع صناع القرار للرضوخ لواقع ضرورة التهدئة لضمان بقاء النظام.
واوضح بيان المرشد المقتضب انه يعارض الاتفاق من حيث المبدأ لكنه فوض الرئيس بالمضي فيه بشرط موافقة المجلس الاعلى للامن القومي، وهو ما حدث بالفعل بتصويت اغلبية اعضاء المجلس. واكد مراقبون ان هذه الخطوة جاءت لتجنب انفجار شعبي واقتصادي، في حين لا تزال التجاذبات مستمرة حول مدى شرعية هذه القرارات في ظل غياب التوجيه المباشر من راس الهرم. واشار متابعون الى ان هذا التخبط يرسل اشارات متضاربة للخارج حول قدرة طهران على الالتزام بتعهداتها الدولية.
تعيينات مفصلية ترسم خريطة النفوذ
وبينت المعطيات ان المرحلة المقبلة ستشهد سباقا محموما للسيطرة على المناصب الحساسة، بما في ذلك رئاسة السلطة القضائية وقيادة الباسيج وجهاز الاعلام الرسمي. واكد محللون ان هذه التعيينات ستكون بمثابة اختبار حقيقي لقوة الاجنحة المتصارعة، حيث يسعى الحرس الثوري وحلفاؤه لتعزيز قبضتهم على مفاصل الدولة. واضاف خبراء ان الخلافات الحالية تتجاوز التنافس التقليدي بين المحافظين والاصلاحيين، لتتحول الى معركة وجود بين تيار براغماتي يرى ضرورة الانفتاح لتجنب الانهيار، وتيار متشدد يرفض اي تنازلات.
واشار مسؤولون الى ان الجناح البراغماتي، الذي يضم شخصيات نافذة في الحرس الثوري ورئاسة البرلمان، قد تمكن حتى الان من فرض اجندته. واكدت المصادر ان هذا الفريق مضى قدما في خطوات جريئة شملت مفاوضات مباشرة مع واشنطن، متجاهلا ضجيج المعارضين الذين لا يزالون يراهنون على تغيير موازين القوى. واوضحت التطورات ان هذا التيار يمتلك الافضلية في ادارة الازمات، مستغلا حالة الارتباك التي خلفتها التغييرات الاخيرة في هيكلية القيادة.
واضاف المراقبون ان الصراع خلف الكواليس اكثر عمقا مما يظهر للعيان، حيث يسعى كل طرف لانتزاع اعتراف او دعم من المرشد لترجيح كفته. وبينت المعطيات ان استمرار هذه الحالة من عدم اليقين قد يؤدي الى مزيد من التصدع داخل بنية النظام، خاصة اذا فشلت الخطوات الاقتصادية الاخيرة في تحقيق النتائج المرجوة. واكدت التحليلات ان المشهد الايراني بات رهنا بقدرة هذه الاجنحة على التوصل الى تسوية تمنع انزلاق البلاد نحو فوضى سياسية شاملة.
