في مشهد يجسد قسوة الواقع الإنساني في قطاع غزة، اضطرت عائلة المواطن مازن يونس المكونة من عشرة أفراد إلى اتخاذ إحدى المقابر في منطقة مواصي خان يونس مأوى وحيدا لها، وذلك بعد رحلة نزوح مريرة بدأت من حي المنارة تحت وطأة العدوان المستمر، حيث باتت القبور هي الملاذ الأخير لهذه الأسرة التي فقدت كل أشكال الحياة الكريمة.
واضاف رب الأسرة الذي يعاني من مشاكل صحية في القلب، أنه عاد من الضفة الغربية ليجد عائلته عالقة في ظروف لا تطاق منذ أكثر من عام ونصف، موضحا أنهم يعيشون وسط مخاطر محدقة تتمثل في انتشار القوارض والحشرات والعقارب التي تتربص بأطفاله داخل مساحة ضيقة تفصلهم عنها سواتر قماشية متهالكة، بينما تلاشت كل مقومات البقاء الأساسية.
وبين مازن أن معاناته النفسية والجسدية تفاقمت بشكل كبير، حيث فقد الكثير من وزنه نتيجة الضغوط والقهر، مشددا على أن أطفاله الصغار دفعوا ثمنا باهظا بحرمانهم من التعليم، إذ يقضون يومهم في جلب المياه من أماكن بعيدة والبحث عن الطعام بدلا من الجلوس على مقاعد الدراسة التي حلموا بها قبل أن تسرق الحرب طفولتهم.
واقع مرير يتقاسمه النازحون في المدافن
وكشفت زوجة مازن عن تفاصيل الحياة اليومية الشاقة، مؤكدة أنهم يفتقرون لأدنى متطلبات المعيشة مثل غاز الطهي، وتعتمد الأسرة بشكل كلي على ما تجلبه البنات من مراكز توزيع الطعام المحدودة، موضحة أن رحلة النزوح لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت سلسلة من الانهيارات المعيشية التي انتهت بهم في هذا المكان الموحش الذي يفتقر لأي خصوصية أو أمان.
واكدت الفتيات الصغيرات أنهن يضطررن لتحمل مسؤوليات تفوق أعمارهن لرعاية والدهن المريض، مشيرات إلى أن الوجبات التي يتم الحصول عليها من التكيات لا تكفي لسد رمق العائلة، وهو واقع يعكس حجم الفجوة بين الاحتياجات الأساسية وبين ما يتوفر فعليا من مساعدات شحيحة في ظل الحصار والدمار الذي طال كل شيء.
واظهرت التقارير الميدانية أن عائلة يونس ليست الوحيدة التي تعيش هذا المشهد المأساوي، بل هناك آلاف العائلات التي اضطرت لنصب خيامها فوق القبور في مختلف مناطق خان يونس، مزاحمة الموتى في أماكن غير صالحة للسكن، وسط غياب تام للبدائل الإنسانية التي تحفظ كرامة النازحين وتوفر لهم ملاذات آمنة بعيدة عن بيئات لا تصلح للحياة البشرية.
