في زاوية منسية بمدينة نابلس شمالي الضفة الغربية تتوارى ورشة صغيرة تفوح منها رائحة التراث وعبق التاريخ حيث يواصل الشقيقان يوسف وسعيد الترتير العمل بمهنة الاباء والاجداد في صناعة اهلة المساجد والمآذن والقباب المعدنية. وتعد هذه الورشة التي تشتهر بصوت طرق الصاج المتواصل رمزا لصمود حرفة يدوية دقيقة كافحت للبقاء على قيد الحياة طوال العقود الماضية وسط تغيرات الزمن. واصبح الشقيقان اليوم هما الوحيدان في فلسطين اللذان يمتلكان هذه المهارة الفريدة في تشكيل الصاج يدويا لخدمة بيوت الله في مختلف المدن والبلدات.
واكد يوسف الترتير ان شغفه بالمهنة ينبع من رؤية بصمته وبصمة والده على مآذن المساجد التي يمر بها في رحلاته مؤكدا ان هذا العمل يمنحه فخرا معنويا لا يقدر بثمن. واضاف ان العملية تتطلب دقة هندسية متناهية في حسابات ثني الصاج وتصميمه حيث لا يسمح بوجود خطأ ولو بمقدار سنتيمتر واحد لضمان جمالية الهلال ومتانة المئذنة. وبين ان الاعتماد على الماكينات اليدوية القديمة التي ورثوها عن والدهم يمنحهم قدرة على التحكم في التفاصيل والزخارف التي تعجز عنها الالات الحديثة المتطورة.
واوضح ان والده سليم الترتير اسس مشغل الاخلاص عام 1968 بعد سنوات من تهجيره من منزله عام 1948 ليصبح هذا المكان شاهدا على قصة كفاح لاجئ فلسطيني تمكن من بناء مستقبله ومستقبل عائلته بجهده الشخصي. واشار الى ان الورشة لا تقتصر على انتاج الرموز الدينية فحسب بل تمتد لتصنيع مختلف احتياجات الصاج والاعمال المعدنية التي تتطلب خبرة يدوية عميقة. واكد سعيد الترتير ان المنتج المحلي المصنوع يدويا يتفوق بمراحل على المستورد الذي يجمع بالبراغي ويفتقر الى المتانة والجمالية الفنية التي تضفيها ايديهم على القطع.
تحديات المهنة ومستقبل الحرفة
وبين سعيد ان عملية تصنيع المئذنة تمر بمراحل معقدة تبدأ من الماسورة المركزية مرورا بالاطباق الدائرية والرمان وصولا الى الهلال الذي يزدان بكلمة التوحيد. واضاف ان الحواجز العسكرية والاغلاقات التي تفرضها سلطات الاحتلال شكلت عائقا كبيرا امام وصول منتجاتهم الى المدن والبلدات الفلسطينية المختلفة. وشدد على ان هذه القيود اثرت بشكل مباشر على تدفق الانتاج وتوزيعه في الضفة الغربية ومناطق الخط الاخضر.
وكشف الشقيقان عن قلقهما الكبير من مستقبل المهنة في ظل عزوف ابنائهم عن تعلمها وتوجههم نحو مسارات مهنية واكاديمية مختلفة. واكد يوسف انهم تركوا الخيار للابناء في اختيار مستقبلهم رغم حسرتهم على احتمال اندثار هذه الحرفة النادرة بانتهاء جيلهم. وختم الشقيقان حديثهما بتوجيه نصيحة غالية للشباب بضرورة التمسك بتعلم المهن والحرف اليدوية بجانب التعليم الاكاديمي لانها السلاح الاضمن لمواجهة تقلبات الحياة ومصاعبها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
